«إسرائيل اليوم»الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني على السيادة في القدس الشرقية

10 فبراير 2019 - 08:33
صوت فتح الإخباري:

بقلم: نداف شرغاي

الـ»أورينت هاوس»، المبنى الفاخر في حي باب الساهرة في القدس الشرقية والذي بني في نهاية القرن التاسع عشر، شبه فارغ منذ أكثر من 17 سنة. فبعد يومين من العملية القاسية في مقهى سبارو المقدسي اثناء الانتفاضة الثانية، في صباح يوم 11 آب 2001، نزل أفراد شرطة وحدة «يمم» بالحبال من مروحية شرطية، واقتحموا المبنى الذي استخدم عمليا كمقر لمنظمة «م.ت.ف» والسلطة الفلسطينية في القدس. واعتقل نزلاء المبنى وخضعوا للتحقيق. صودرت عشرات آلاف الوثائق، واغلقت المكاتب في المكان.
الفيلا الفاخرة، التي استضافت القيصر فيلهان الثاني (1898)، الامير عبدالله (1931)، وحتى قيصر اثيوبيا الاعظم ايلا سيلاسي؛ تلك التي تحولت لاحقا لتصبح احد الرموز الوطنية الفلسطينية في القدس، باتت مغلقة ومسدودة. ومنذ سنين يتم تمديد أمر الإغلاق لـ»الاورينت هاوس» كل نصف سنة. في المرة الاخيرة حصل هذا قبل بضعة أيام. فقد مدد وزير الامن الداخلي، جلعاد اردان، الاغلاق، بل ضّمن الامر الجديد سلسلة مؤسسات فلسطينية اخرى تعمل في القدس. غير أن الهدوء حول «الاورينت هاوس» مضلل.
قبل بضعة أسابيع فقط اعتقلت اسرائيل 32 من رجال اجهزة أمن السلطة الفلسطينية، وعلى رأسهم عدنان غيث، محافظ القدس. وسبب الاعتقال هو نشاط سلطوي في شرقي المدينة، وفقا «لقانون التطبيق» الذي يحظر على السلطة الفلسطينية القيام بأعمال سلطوية في منطقة القدس.
جاءت الاعتقالات في اعقاب اعتقال السلطة للمقيم المقدسي عصام عقل، والذي يحمل ايضا جنسية اميركية، للاشتباه بمساعدته في نقل عقارات في البلدة القديمة الى اياد يهودية، وهي الخطيئة التي لا تغتفر في المجتمع الفلسطيني. وقدم الى المحاكمة في رام الله وحكم عليه بالمؤبد مع الاشغال الشاقة. وقبل بضعة اسابيع، بتدخل من الولايات المتحدة، أُفرج عنه من السجن.
في قضية عقل لم تكتف اسرائيل بالاعتقالات، فالمحافظ غيث من سكان سلوان، الذي تعتقد اسرائيل انه كان مشاركا في اعتقال مقيمين اسرائيليين من قبل السلطة، مقيد اليوم في حركته، ولا يحق له دخول مناطق الضفة، بما فيها مناطق السلطة. وحُظر على غيث لقاء ماجد فرج، رئيس المخابرات الفلسطينية. كما حظر جهاز الأمن على وزير شؤون القدس، عدنان الحسيني، السفر الى الخارج وهو الذي تعتبره محافل الأمن شريكا في النشاط السلطوي للسلطة في العاصمة ضد باعة الأراضي لليهود.

«وحدة القدس» 
غير أن قضية غيث واعتقال عصام عقل في رام الله، كما تبين، هما مجرد طرف الجبل الجليدي لنشاط السلطة ومنظمات أجنبية اخرى في القدس. وتزيل اسرائيل الغموض بالتدريج عما يجري في شرقي المدينة، ومؤامرة الصمت حول هذا النشاط تتحطم رويدا رويدا.
يكشف د. دافيد كورن، الباحث في معهد القدس للاستراتيجية والامن – وحتى وقت اخير مضى مستشار رئيس بلدية القدس السابق نير بركات لشؤون شرقي القدس – النقاب عن ان 64 مليون شيكل في السنة تستثمرها السلطة الفلسطينية مباشرة في نشاطاتها في القدس – 6 ملايين شيكل لاعمال المحافظ غيث و58 مليون شيكل في اعمال الوزير الحسيني.
في ميزانية مكتب المحافظ تظهر بنود مثل دعم «الصمود» أو «حفظ المناعة في مواجهة جرائم الاحتلال الاسرائيلي»، وكذا «الرقابة على السلاح غير القانوني» – وهو فعل سلطوي حقيقي في ضوء حقيقة انه في احياء شرقي المدينة يحوز الآلاف اسلحة مختلفة دون ترخيص أو إذن.
بند آخر في ميزانية المحافظ مخصص «لاستقبال الوفود من الخارج»، وهو فعل دبلوماسي سلطوي رسمي آخر، وكذا مساعدة اللاجئين، عائلات السجناء والشهداء، والمجتمع المدني والنساء الراغبات في الانخراط في سوق العمل. ويظهر كورن في ورقة عمل واسعة ان بنود النفقات الاكبر لمكتب الوزير تتضمن دعم المؤسسات المتماثلة مع السلطة في القدس والتي تعمل اسرائيل على اغلاقها؛ المساعدة القانونية والاقتصادية لمن اقام منزلا دون ترخيص ويتهدده خطر الهدم، المساعدة المالية للتجار وتمويل النشاط في المجال الثقافي، الاجتماعي، والرياضي. غير أن اسرائيل تكتشف غير مرة بان استثمار السلطة الفلسطينية في المجتمع المدني يأتي كرد على المحاولة الاسرائيلية لتوسيع الخدمات البلدية في الاحياء العربية.
ويوضح كورن بان السلطة الفلسطينية اتخذت لها هدفا التحكم العملي باكبر ما يكون من المجالات في حياة سكان القدس الشرقية، وعلى المستوى الاقتصادي تعمل على تجنيد التبرعات، سواء من المحافل الدولية كالاتحاد الاوروبي ام من الدول العربية. ويتركز هذا النشاط في الغالب لدى «وحدة القدس» في مكتب ابو مازن، بالتعاون مع وزارة شؤون القدس للوزير الحسيني ومكتب المحافظ عدنان غيث.

ضوء أحمر – أخضر
صحيح ان ميزانيات السلطة زهيدة مقارنة بالميزانيات الاسرائيلية – في السنوات الاخيرة استثمرت اسرائيل مئات الملايين في الطرق، النظافة، التعليم، الرفاه، والرياضة – ولكن بينما تتركز الميزانية الاسرائيلية في مجال توفير الخدمات البلدية، تتركز الميزانية الفلسطينية في مجال الوعي – السياسة.                
تكثر «فتح» من العمل في القسم الشرقي من المدينة، وتدير سلسلة من النوادي الرياضية، ابرزها نادي جبل الزيتون في حي الطور، الذي يتنافس على قلب الشباب في مواجهة المركز الجماهيري الذي يعمل في الحي من قبل البلدية. وادخلت «فتح» رجالها في قيادة لجان الاهالي في المدارس والاحياء في شرقي المدينة، وتشارك في اعمال الاخلال بالنظام واجراء المسيرات لاحياء المناسبات الفلسطينية.
يبين تقرير كورن ايضا كيف تجاوز الجناح الشمالي للحركة الاسلامية، برئاسة رائد صلاح، الحظر الذي فرض عليها وعلى وجودها. والبديل هو جمعية باسم «وقف الامة الاسلامية من اجل القدس والاقصى» التي تعمل من تركيا. فوقف الامة تجند الاموال الحكومية، ومن منظمات دولية ورجال اعمال. وتودع الجمعية اموال التبرعات في حسابات بنكية، وبعد ذلك تستثمرها في تمويل مشاريع في القدس، ولا سيما في الاقصى وفي الحي الاسلامي.
عمليا، هذه ذراع أخرى تمدها تركيا من خلال الموالين لها في شرقي المدينة نحو منطقة البلدة القديمة والحرم. وادى النشاط التركي، الاسبوع الماضي، فقط الى نشاط مضاد اردني – مغربي: فسكان الحي اليهودي، الذين يركنون سياراتهم بشكل دائم في موقف سيارات الحي، لاحظوا اضواء خضراء تصدر عن مأذنة المسجد المهجور منذ سنوات عديدة في اطراف الحي. وأظهر فحص أجراه المقدم باروخ يديد، مستشار الشؤون العربية في قيادة المنطقة الوسطى سابقا، أنه على مدى اشهر طويلة قامت الاوقاف الاردنية بترميم المسجد سرا. وساعدت في الترميم لجنة القدس التي يترأسها محمد السادس، ملك المغرب. ويتبين أنه توجد ستة مساجد اخرى غير عاملة في القدس.
يسمى المسجد الذي يلمس الحي اليهودي «مسجد الديسي» او «مسجد الزيت». ويشرح يديد بان التصاقه بالحي الارمني خلق لدى الاردن خوفا من أن يقوم الاتراك، الذين رمموا حتى الآن نحو مئة مبنى في البلدة القديمة بما فيها المساجد، على ترميمه فيأخذون من الاردن النفوذ على عقار آخر للاوقاف.
وتعمل لجنة القدس، كما يكشف يديد النقاب، لترميم المبنى التاريخي الكبير في الحي الاسلامي والمعروف كـ»بيت المغرب». ويبدو أن هذا هو جزء من الصراع ضد التغلغل التركي في القدس.

السعودية قريبة من الحرم
يرسم تقرير كورن عمليا خريطة لسلسلة المحافل الاجنبية التي تعمل في القدس الشرقية، والتي تتحدى الكثير منها السيادة الاسرائيلية في العاصمة. فضلا عن نشاط السلطة الفلسطينية والجناح الشمالي، يصف كورن معقلا قويا لـ»حماس» في أحياء جنوب القدس الشرقية: صور باهر، ام طوبا، وجبل المكبر. هكذا مثلا، في جبل المكبر الذي خرج منه على مدى السنين منفذون كثيرون للعمليات، تعمل لجنة أهالي مسيطرة ومؤثرة كان بعض اعضائها مسؤولين كبارا في «حماس» ممن تحرروا من السجن الاسرائيلي.
في القدس الشرقية، وبالاخص في الحرم وفي الحي الاسلامي، ينشط «حزب التحرير»، الذي اخرجته بعض الدول في اوروبا عن القانون، ولكن اسرائيل تمتنع عن عمل ذلك حاليا. من ناحية ايديولوجية، فان هذا عمليا هو توأم «داعش» – حركة اسلامية اصولية تسعى الى الغاء الاطر السياسية القومية واقامة خلافة اسلامية دولية بدلا منها. غير أنه بخلاف «داعش» يعمل حزب التحرير من خلال الدعوة وليس الجهاد العنيف. ومع ذلك تدير المنظمة «حرس العفة» في شرقي المدينة، واكتسبت لنفسها نفوذا في بعض المساجد في بيت صفافا وبيت حنينا.
فضلا عن النشاط التركي، تنكشف لاول مرة محاولات متزايدة من جانب السعودية واتحاد الامارات العربية بتعزيز نفوذهما في القدس الشرقية. فقد تبرعت السعودية مؤخرا بـ 150 مليون دولار لمشاريع مختلفة في المدينة، ومع اتحاد الامارات اشترت عقارات في البلدة القديمة، على مقربة من الحرم.
جهة أجنبية اخرى تستثمر في العاصمة مالا طائلا هي الاتحاد الاوروبي. ويذكر كورن ان «الاتحاد يشارك في تمويل منظمات سياسية غير حكومية تتماثل مع الجانب اليساري من الخريطة السياسية في اسرائيل». في اطار هذا التمويل تنشر أوراق مواقف وتنفذ مشاريع في مجالين مركزيين. الاول: ضعضعة السيادة الاسرائيلية في شرقي القدس والتشهير باسرائيل وبلدية القدس في الرأي العام وفي المحافل الدولية في مسألة شرقي القدس؛ والثاني: العمل على مشاريع مدنية لرفاهية سكان المدينة الفلسطينية في ظل الكفاح لتحقيق حقوقهم في مواجهة السلطات الاسرائيلية.
في مجال التخطيط والبناء يبرز دور الاتحاد في تمويل الاستشارة القانونية للعائلات والمنظمات التي بنت بيوتها بغير وجه قانوني وتتعرض للمحاكمات. ولكن الاتحاد نشط ايضا في المجال التجاري: فهو يحاول اعادة فتح الغرفة التجارية الفلسطينية، التي كانت نشطة في الماضي واغلقتها اسرائيل. وتسعى الغرفة الآن الى العودة للعمل كذراع تجارية للسلطة في القدس.
ويصف كورن، الذي يشغل اليوم منصب مدير الخطة الخماسية الاستراتيجية لوزارة التعليم في شرقي القدس منظومة ضغوط شديدة من جانب نشطاء «فتح» على الاهالي الذين يسجلون ابناءهم لمسار البجروت الاسرائيلية. كما يروي عن نشر منهاجي لمعلومات مغلوطة من جانب السلطة عن مصادرة الاراضي التي تستهدف خدمة السكان العرب وشق الطرق من أجل رفاهيتهم. وتعرض هذه الخطوات الاسرائيلية كخطوات تستهدف سلب الاراضي من الفلسطينيين. كما يكشف كورن النقاب عن اعتداءات جسدية ولفظية عنيفة يقوم بها مبعوثو السلطة في القدس الشرقية ضد الوجهاء في الاحياء العربية ممن ليسوا على الاطلاق مؤيدين للصهيونية، بل يعملون حيال السلطات الاسرائيلية لتحسين جودة حياة السكان.

قفزة صغيرة الى سورية
قبل نحو اسبوعين اقتحمت قوات الشرطة مستشفى المقاصد في شرقي القدس. وعلمت قوات الامن بأنه يجري احتفال برعاية السلطة الفلسطينية بمناسبة خمسين سنة على تأسيس المستشفى، وان الوزير الحسيني والمحافظ غيث يشاركان في الاحتفال.
في نهاية الاسبوع الماضي سجل فصل آخر في المعركة التي تديرها اسرائيل ضد نشطاء السلطة و»فتح» في المدينة حين تبين أن شادي المطور، المعروف كواحد من قادة «فتح» في القدس، خرج الى سورية في اطار وفد ابو مازن لمعالجة موضوع اللاجئين السوريين. وطلبت الشرطة تمديد اعتقال المطور للتحقيق لدخوله دولة عدو واجراء اتصال مع عميل اجنبي. وحرر القاضي المطور، ولكن الشرطة لا تعتزم التنازل ورفعت استئنافا. ويجمل كورن ويقول انه «في نظرة عامة يمكن القول ان السلطة الفلسطينية تعمل بنشاط، بحزم، وعنف لمنع سكان القدس العرب من التصرف في المدينة كسكان يحرصون على تحقيق حقوقهم في مواجهة السلطات الاسرائيلية». ولا شك لدى كورن بان «السلطة تتآمر على وحدة القدس وتعمل على ابقاء المدينة مقسمة وتعزيز صلة المواطنين العرب برام الله وليس بالقدس».
ما الحل؟ يحث كورن الحكومة على تشكيل طاقم من عدة وزارات يعمل على معالجة عموم عناصر الظاهرة: نشاط إحباطي واسع للاعمال غير القانونية من السلطة وغيرها مع التشديد على الجانب المالي. ويقترح تعديل «قانون التطبيق» لفرض قيود اضافية على خطى السلطة في القدس – وبالاساس طرح بديل اسرائيلي نوعي لتقديم الخدمات للمواطنين، تلك التي يمنحها اللاعبون الاجانب للسكان العرب في المدينة.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق