"يديعوت"الطائرات الورقية أصبحت رمزاً لقوة الضعفاء

23 يوليو 2018 - 09:20
صوت فتح الإخباري:

مقهى "موفينبك" بدأ باستثمار أولي بلغ خمسة شواكل!!

بقلم: ترانشيسكا بوري
تعيش شمس الأصيل، ابنة الـ 19 عاماً، في مخيم الشاطئ للاجئين، على شاطئ غزة. 11 فرداً يعيشون في غرفة واحدة مع حيطان آيلة للسقوط. تقول شمس: "الأمر الأصعب بالنسبة لي ليست الثلاجة، التي ليست فارغة فقط بل في الواقع غير موجودة؛ لأنه لا توجد لدينا كهرباء، الأمر الأصعب حقاً هو أن أرى رفيقاتي يذهبن في الصباح الى الجامعة، وهو شيء لا يمكنني فعله".
من اصل 1.9 مليون من سكان قطاع غزة، هناك 1.5 مليون معرّفون كلاجئين. أو للدقة هم من أنسال اللاجئين، الذين تُعتبر شمس واحدة منهم. تروي أمها فتقول: "في الأصل، نحن من بئر السبع، 40 كيلومتراً فقط عن هنا". وماذا ستفعلين إذا ما رفعوا الإغلاق وفتحوا معبر ايريز على مصراعيه، أسألها. "الأمر الأول الذي سأفعله هو السفر الى القدس"، تقول الأم، "ولكن بعد هذا أعود الى هنا، إلى غزة".

ماذا عن حلم العودة؟
"إذا اضطررنا الى مواصلة العيش هنا سبعين سنة أخرى فقط كي أعود الى بئر السبع، فاني أفضل البقاء هنا. وفضلا عن ذلك فان غزة يوجد لها بحر".
عصام حامد، من مبادري ومنظمي "مسيرة العودة"، لا يشك لحظة في حق اللاجئين في العودة إلى الأماكن التي طردوا منها او هرب منها أجدادهم وجداتهم في العام 1948. ويعلن حامد "هدفنا هو العودة الى وطننا. العودة، هذا هو". ولكن هذه هي شعارات بالأساس. أما في الواقع القائم في قطاع غزة، الذي تجولت في طوله وعرضه على مدى أسبوع، فان الكثير من الناس كانوا سيكتفون بتصريح عمل في إسرائيل. آخرون يعترفون بانه مع كل الاحترام لحق العودة، في اللحظة التي تفتح فيها الأبواب فإنهم سيهاجرون إلى أوروبا، إلى تركيا، او الى دول الخليج.
هذا الأسبوع، في ضوء خبو التظاهرات قرب الجدار، عادت طقوس نار الصواريخ من جانب "حماس" وأعمال القصف الإسرائيلية. أما الشبان الذين رأيتهم يسيرون نحو قناصة الجيش الإسرائيلي، فإن شيئا من هذا لا يؤثر فيهم حقا. فهم لا يرون أملا ولا مخرجا من الوضع. فبعد التاسعة مساء تمتلئ شوارع غزة بالمسلحين الذين يسيرون في دوريات من كتائب عز الدين القسام، ولكنني لم التقهم قرب الجدار. ولا زعماء "حماس" أيضا. فقط الفقراء واليائسون، الذين ليس لهم ما يخسرونه. المسافة بين حكومة حماس التي تلوح بأعلام حق العودة وتحرير القدس وبين الناس الذين التقيتهم في الشارع واسعة. في أزقة غزة لا يتحدثون عن السياسة، بل عما نأمل في المساء، إذا ما أكلنا أصلاً.

هذه فلسطين
في كل يوم جمعة، منذ 30 آذار، يحتشد عشرات الآلاف على طول ما لا يسميها احد هنا حدوداً بل يسمونها سورا، إذ من على جانبي الجدار، هكذا يقولون، هذه في واقع الأمر هي البلاد ذاتها، فلسطين. يوم 8 حزيران كان يفترض أن يكون الذروة. يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان، فور "يوم النكسة" الذي يمثل الهزيمة العربية في حرب "الأيام الستة"، ولكن على الحدود ووقف عدد قليل نسبيا من الناس. نحو 10 آلاف متظاهر بالإجمال، موزعين في خمس نقاط. كلهم تقريبا إخوة، آباء، أطفال، أبناء أعمام وأصدقاء لـ 123 متظاهرا قُتلوا حتى الآن في المواجهات على الجدار. "أنا ابن 12 فقط وشهدت حتى الآن ثلاث حروب"، يقول لي احد المتظاهرين. على مسافة نحو 700 متر من الجدار، في الجانب الفلسطيني، توجد تلة رملية أقامها الغزيون، مثل التلة التي بناها الجيش الإسرائيلي في الطرف الإسرائيلي. خلف التلة ثمة مناسبة فرحة حقيقية: الشبان يلعبون كرة الطائرة، المهرجون والممثلون يتخفون في صورة شخصيات مسلية للأطفال. هناك، في المنطقة المحمية نسبيا، يعدون أيضا الطائرات الورقية الحارقة، وهناك أيضا تجرى المقابلات مع وسائل الإعلام.
في الجانب الآخر من التلة، أمام الجدار، تكون هذه قصة مختلفة تماما. منطقة حرب. اقف انا هناك وأنظر الى المتظاهرين الذين يسيرون بتصميم نحو القناصة الإسرائيليين الذين يستلقون على التلة الترابية أمامهم تماما، على مسافة 500 متر بالإجمال. المتظاهرون مكشوفون تماما. وسيلة الدفاع الوحيدة لديهم هي الدخان الكثيف، الذي يتصاعد من إطارات السيارات المشتعلة.
يتسلحون بالمقاليع وبالطائرات الورقية، التي اعدها الأطفال من خلف التلة، والآن يربطون بها خرقا مبللة بالوقود، يشعلونها بقداحة او سيجارة ويطلقونها نحو حقول بلدات غلاف غزة. بشكل عام تسقط الطائرات الورقية في الحقول وتحرقها، ولكن مطلقيها يحسبون بشكل غير صحيح اتجاه الريح أحيانا فتعود اليهم كالسهم المرتد. ويقول أحدهم "هذا يمثل وضعنا". من هنا فإن الجدال الإسرائيلي حول إذا كان ينبغي إطلاق النار أم لا على "مطلقي الطائرات الورقية"، وإذا كان الحديث يدور عن خلايا منظمة من "حماس" يبدو واضحا من تلقاء ذاته.
مهما يكن من أمر، فقد أصبحت الطائرات الورقية في غزة رمز قوة. قوة الضعف. فهي تكلف بضع عشرات من الأغورات، مصنوعة من النايلون او من أوراق الصحف، ولكن من ناحية الفلسطينيين تنجح هذه في الانتصار على "القبة الحديدية" الإسرائيلية التي يكلف كل صاروخ اعتراض فيها بين 50 الى 100 ألف دولار. ويقول لي شاب آخر، ان "الطائرات الورقية ليست سلاحا، هي رسالة. نحن لا يمكننا أن ننتصر، ولكن إسرائيل أيضا لا يمكنها أن تنتصر".
فجأة تنقسم الجموع الى قسمين. إذ يتبين أن أحد إطارات السيارات كان ثقيلا جدا وهو يتدحرج الآن عائدا نحو المتظاهرين ويدهس أحدهم، شاب نحيف ومسكين كاد يحترق. فيضحك الجميع من حوله. ويقول أحدهم متهكما "هذه فلسطين".
وفي هذه الأثناء باتوا يخلون الجرحى. النار نحو المتظاهرين، من خلف ستار الدخان الأسود، تكاد لا تسمع. هذه مسيرة مقلوب على مقلوب: بدلا من التقدم، يتراجع الفلسطينيون، وهم على حمالات الجرحى. الواحد إثر الآخر. ينقلون بسيارات الإسعاف بصافراتها الى المستشفيات في القطاع. الى الجبهة الثانية، تلك التي يقاتلون فيها في سبيل حياة الجرحى ولإنقاذ أطرافهم، بلا مضادات حيوية تقريبا.
أرى المتظاهر الشاب الذي تحدثت معه، وهو يحمل شيئا يتكون من شبكة صيادين وحبل طويل ينجح في إسقاط حوامة إسرائيلية. في تلك اللحظة، يغادر الجميع بلا استثناء منطقة الجدار، ويتجهون نحو الحوامة التي أسقطت ليلتقطوا لأنفسهم صور السيلفي معها. وفي المساء سيروون هنا عن أربعة قتلى، ولكن مسيرة يوم الجمعة تنتهي عمليا في هذه المرحلة، مع الحوامة التي حملت بهتافات الفرح في أزقة غزة للاستعراض بها وكأنها رمز لشيء ما مقدس. هذا هو الإنجاز الوحيد تقريبا لتلك التظاهرة، التي كان يفترض بها ان تكون الأكبر منذ بدأت مسيرات العودة.

قميص، حقيبة، وكتاب
في اليوم التالي للمواجهة على الجدار، تعود منطقة الحدود مرة أخرى الى الهدوء. بعض الشبان يستلقون على الرمال وكأنهم على شاطئ البحر. بعضهم مقطوعو الأرجل، بعضهم أكاديميون. كلهم عاطلون عن العمل. تأتي امرأة تلبس الأسود. قُتل ابنها. كان هو الذي يعيل العائلة. "لم يأت أحد ليسألني عن حالي"، تبكي وهي منهكة ويائسة. تلقي المرأة البائسة بنفسها على احد الشبان الذين يستقلون هناك فيعطيها بضعة شواكل، وهي تنهار على الأرض. وتصرخ بيأس "انقذونا، انقذونا!" فيما يأتي رجل ويأخذها من هناك.
قبل أسبوع من ذلك، في 1 حزيران، قتلت على الجدار رزان النجار، مسعفة متطوعة. ابنة 21 عاما. ترتدي سترة بيضاء لقوات النجدة. ويدعي الفلسطينيون بانه أطلقت النار عليها وهي رافعة يديها فيما كانت تحاول الوصول الى احد الجرحى كي تعالجه. أما الجيش الإسرائيلي فيدعي بانها أصيبت بشظية طائشة من إحدى الصخور وليس بنار مباشرة.
الحقائق لا تهم حقا، فالنجار أصبحت على الفور رمز الكفاح، وانتشرت صورها في كل العالم.
ولكن في غزة، مثلما هو الحال في غزة، الوقع هو اكثر تعقيدا بكثير. وفي أثناء جنازة المسعفة الشابة اقتحم رجال "حماس" بيتها. لماذا؟ لأنها هي وعائلتها كانتا متماثلتين مع "فتح".
"الكل جاء لزيارتنا ومواساتنا"، يقول لي أبوها. "ممثلون عن (فتح) وعن (حماس) أيضا، ولكن أحدا لم يقدّم شيكلا". البيت يعاني شحا رهيبا، المطبخ فارغ تماما. الأم تأخذني دامعة الى غرفة الابنة، تخرج أغراضها من الخزانة، تشير إليها وتقول الكلمات القليلة التي تعرفها بالانجليزية، "قميص، حقيبة، وكتاب". تريني صور ابنتها في هاتفها، شابة مبتسمة، لا تظهر حولها علامات نشاط متطرف لأي تنظيم.
اقتحام منزل العائلة جزء من الصراع بين الحركتين، الذي لم يتوقف حتى في ذروة التظاهرات على الجدار. "العالم بدأ يتحدث مرة أخرى عن فلسطين"، يقول الكاتب د. عاطف أبو سيف، من جباليا للاجئين، الذي يصف كتابه "حياة معلقة" الشرخ بين "حماس" و"فتح"، "ولكن مثلما هو الحال دوما، عندما تنجح فكرة كل واحد من الفصائل يحاول ادعاء ملكيتها، وفي النهاية يفوتون كل شيء. فهم غير قادرين على أن يترجموا الإنجازات الإعلامية، كل هذه القوة، الى نفوذ سياسي حقيقي. هذا مثل صاروخ يضرب إحدى المدن في إسرائيل. للحظة واحدة تكون هنا حماسة كبرى، ولكن ماذا يحصل بعد ذلك؟ هل يتغير أي شيء؟ لا شيء!".

ولا حتى قطعة خبز
وإذا كان تغير شيء، فللأسوأ فقط. بعد أكثر من عشر سنوات من القطيعة، يبعث الوضع الاقتصادي والإنساني في قطاع غزة على الغثيان. فالشبكات تنهار، والحكم المدني يكاد لا يؤدي مهامه، ولا يهم من المذنب في هذا – إسرائيل، "حماس"، مصر، السلطة الفلسطينية او كلهم معا. وحتى الشيء الأكثر إلحاحاً، ماء الشرب، لم يعد أمرا مسلما به. فقد أصبحت مخزونات المياه الجوفية مالحة، والسكان متعلقون باستيراد المياه من إسرائيل. وحسب معطيات وكالة الغوث، فان 80 في المئة من سكان القطاع متعلقون بالمساعدات الإنسانية و50 في المئة يعانون من الجوع أو نقص الأمن الغذائي. ولا يوجد مكان يذهبون إليه: في العام 2017 تلقى 9.600 شخص فقط تصاريح خروج من القطاع الى إسرائيل أو الى مصر. والمعنى هو أن المقيم في غزة يمكنه ان يخرج من القطاع مرة في نحو مئتي سنة بالمتوسط.
تعبير واحد يجسد الوضع أكثر من كل الأرقام والإحصاءات: ترامدول. نوع من مخفف الآلام اصبح المخدر الأكثر انتشارا في غزة. في أماكن كثيرة حيث يتجمع شبان رأيته يعرض ويباع علنا. يسمح لمن يبتلع القرص ببضع ساعات من النوم المخدر. وبينما يستهلك الكثير من الشبان في العالم أقراص الاكستزي، الكوكايين، وايمفتمنيم كي يحتفل حتى الصباح، هنا، في سنواتك العشرين، لا تريد ألا ان تنام وتنسى. في كل ثلاثة أو أربعة أيام يبلغ في غزة عن محاولة انتحار.
في بيوت عديدة لا يوجد شيء في المطبخ. سكان غزة الذين كانوا ذات مرة جزءا من الطبقة الوسطى، استخدموا توفيراتهم وبقوا معوزين لكل شيء. أما القلائل الذين لا يزالون في وظائف ثابتة فيضطرون لأن يعيلوا 10 او 12 نفسا براتب واحد – الأهل، الإخوة، الأبناء، أبناء الأعمام، الراتب المتوسط في القطاع اليوم هو 300 دولار، وحتى من يعمل يمكن أن يجد نفسه غدا عاطلا عن العمل. مرافقي مثلا يعمل أيضا في جامعة في غزة ويعيل عشرة من أبناء العائلة، بينهم أبواه العاطلان عن العمل. وفي الأسبوع الذي تجولت معه في غزة تلقى رسالة إلكترونية تبشره بانه بعد بضعة أسابيع سينهي عمله، وبعد نحو بضع ساعات تلقى تذكيرا من البنك بان عليه أن يدفع القرض السكني الشهري بمبلغ 350 دولارا وهو لا يزال محظوظا، إذ بصفته سائقا ومرافقا للصحافيين يتلقى 350 يورو في اليوم اكثر من الراتب الشهري المتوسط في غزة.
في مركز المدينة في غزة على هامش الطريق يجلس أولئك الذين لم يكن قدرهم ناجحا. وهم يجتمعون في نوع من ملجأ، خيمة مصنوعة من بطانيات قديمة. ليس لهم شيء، ولا حتى قطعة خبز. هناك التقيت عائلة حمام، أب لخمسة أطفال، عاطل عن العمل. حتى الآن كانت العائلة تتلقى مخصصا بمقدار 750 شيكلا مرة كل ثلاثة اشهر، ما أتاح لها إبقاء الرأس قليلا فوق الماء. ولكن قبل عشرة أيام توقف المخصص، لأنه نفد المال لدى وزارة الشؤون الاجتماعية الفلسطينية.
في مثل هذا الواقع لا معنى لانتزاع ابتسامة من الأطفال. فهم يحدقون بك، متجمعين كلهم في زاوية واحدة. ويقول حمام "يخاف الإسرائيليون من أنه إذا فتحت الحدود فإننا سنهاجمهم. أما أنا فليس عندي ولا شيكل وهكذا لا يمكنني حتى أن اصل الى الحدود مع إسرائيل".
صحيح أن الطعام في غزة زهيد الثمن نسبيا – وجبة الفلافل تكلف هنا شيكلين، مقابل 5 شواكل في رام الله – ولكن بضائع أخرى، مثل الكهرباء، الماء والوقود، غالية جدا. وبشكل مفاجئ نجد أن الدكاكين في غزة ليست فارغة، بل يوجد هنا مجمع تجاري مخصص للأغنياء، مع محلات للملابس تعرض علامات تجارية تركية يحبها سكان القطاع. قميص من تركيا يبلغ سعره هناك 30 شيكلا. ومن اجل عائلة من 10 نفوس، مع دخل شهري من 300 دولار، فان هذا يعد مالا كثيرا. هكذا حيث لا يوجد في غزة ما ينقصهم. ببساطة ليس لدى معظم الناس المال ليشتروا أي شيء.
ولكن يوجد أيضا آخرون. الفنادق على خط الشاطئ فارغة من السياح. ولكن في الأمسيات التي بت فيها هناك كان مطعم فندقي مليئا تماما. في المقاهي يجلس رجال أعمال يبقون على غموض سياسي، لا يتماثلون مع هذا التنظيم او ذاك، ويعرفون كيف ينتزعون المرابح رغم الإغلاق. "الأعمال كالمعتاد"، يقول لي تاجر سيارات غزي في نادي سباق الجياد "فيصل". ويضيف: "انا لا يمكنني أبدا أن أعيش في لندن مثلا. فهناك أنا مجرد واحد. أما هنا فأنا مليونير".
احمد العاصي، صياد ابن 29، التقيته قرب قاربه. يوجد 3 آلاف صياد في غزة مسموح لهم الإبحار حتى 6 ميل بحري عن الشاطئ. من يجتاز هذا الخط يصطدم بسفن سلاح البحرية الإسرائيلية. الكثير من الصيادين، ولكن القليل جدا من السمك والقليل جدا من المشترين. لدى احمد 12 عاملا يتوجب عليه أن يدفع لهم الرواتب. وهو ينفق 1.000 شيكل في اليوم على الوقود. في كل صباح يعود احمد من البحر مع نحو 200 كيلو من السمك الذي معظمه من الأسماك الصغيرة التي يبيعها بشيكل واحد للكيلو، وبضع عشرات الكيلوات من السمك الجيد الذي ينجح في اصطياده لتغطية النفقات. وليس اكثر من هذا. حسب اتفاقات أوسلو حين لم تكن جدران وأسوار، كان الإسرائيليون يأتون الى هنا لشراء السمك. ويقول العاصي: "قبل السلام كان سلام أكثر".
في قلب غزة أقام شابان مقهى سمياه موفينبك باستثمار أول بلغ خمسة شواكل بدؤوا يبيعون فيه الشاي في الشارع، وبعد ذلك جاؤوا بالكراسي والطاولات. أما اليوم فتوجد لهما عربة يعدان فيها القهوة والشاي والعصائر. وقد تحول هذا الى موقع للقاء سكان الحي حيث يجلسون على ضوء الشموع التي توضع في زجاجات مع رمل ومصابيح الصيادين – هكذا عندما لا يكون هناك كهرباء إلا لأربع ساعات في اليوم. وعلى العربة تعلق صورة الثوري تشي جيفارة، ولكن على ما يبدو في هذا المكان المحبب لن تبدأ أي ثورة.

السجين أم السجان؟
الجهاز الصحي في غزة أيضا يوجد على شفا الانهيار. فالكثيرون من بين   الـ 13 ألف جريح في أحداث الأسابيع الأخيرة فقدوا يدا أو قدما. في قسم كبير من الحالات لم تكن حاجة حقيقية لقطع الطرف المصاب، ولكن بسبب النقص في المضادات الحيوية كانوا سيموتون يسبب التلوث ولهذا اضطر الأطباء الى تنفيذ عمليات البتر.
مستشفى الرنتيسي في غزة يبدو مثل كل مستشفى آخر، ولكن عندما زرته كان مليئا بالجرحى من المواجهات على الجدار. لا تنقص المضادات الحيوية فقط بل حتى الأطباء المختصون. من يحتاج الى الأدوية يتوجب عليه ان يشتريها في السوق السوداء. في المستشفى يمكن تلقي العلاج الكيميائي، ولكن من أجل بعض العلاجات هناك حاجة للوصول الى القدس. فليس لدى المستشفيات في غزة المال لشراء أجهزة التصوير الإشعاعي، وحتى الأدوية من الخارج لا تصل دوما الى مقصدها.
حين يكون هذا هو الوضع، فان الكثيرين من سكان القطاع يفهمون بانه لا مفر من فتح مفاوضات مع إسرائيل. ويقول احدهم: "هذا لا يعني ان لدينا ثقة بإسرائيل. العكس هو الصحيح. ولكن بالذات لأنه ليس لنا ثقة، لا معنى لأن ننتظر التغيير. يجب أن نخلقه".
أما تراشق الصواريخ والقصف فيستقبل هنا كنوع من الحوار: "حماس" تطلق صواريخها في وقت متأخر في المساء او مبكر في الصباح، كما يشرحون لي، على اعتبار انه هكذا يكون هناك احتمال طفيف لإصابات في الطرف الإسرائيلي، أما الجيش الإسرائيلي فيقصف بالأساس مباني فارغة. في نهاية المطاف، "حماس" أيضا ستجد صعوبة كبيرة في أن تسمح لنفسها بحرب أخرى كـ"الجرف الصامد". فالحركة معزولة على نحو شبه تام، وبالأساس توجد في حالة إفلاس.
أنبوب الحياة لـ"حماس" هو أنفاق التهريب في رفح، من تحت محور فيلادلفيا. ولكن مصر السيسي أغرقت الأنفاق الأخيرة التي لا تزال تعمل، وبالتوازي قلصت دول الخليج جدا تبرعاتها للحركة. عندما اسأل رجال "حماس" عن استراتيجيتهم وما ينوون عمله لإنقاذ سكان غزة من الأزمة فانهم يوبخونني تقريبا فيقولون: "لماذا لا تذهبين لتسألي إسرائيل؟ من المذنب في الوضع، السجين أم السجان؟".
أجلس مع بعض الأصدقاء في مقهى لطيف على شاطئ غزة، ورائحة البحر تختلط برائحة القهوة والنرجيلة. "اليوم التقيت مع باسم نعيم"، اروي لهم. نعيم، الناطق بلسان "حماس" للشؤون الدولية، يحظى بتقدير كبير في غزة، وليس فقط هناك. ويسألونني كالجوقة تقريبا: "ماذا، حقا؟ ماذا قال لكِ؟" فأقول: "قال انهم يطلبون رفع الإغلاق بشكل فوري بلا أي شروط". فينظرون الي خائبي الأمل وكأنهم ينتظرون بشرى كبيرة "هذا هو؟ لم يقل أي شيء آخر؟" ويضيفون: "هذا مفهوم من تلقاء نفسه. من الواضح أننا نريد إنهاء الحصار. ما كانت حاجة لكل هؤلاء القتلى كي نقول ما قلناه حتى الآن ألف مرة".
النقد الموجه ضد "حماس" لا يفاجئ البروفيسور مخيمر أبو سعدة، خبير في الشؤون السياسية من جامعة الأزهر. 25 في المئة فقط من 1.3 مليار دولار تجبى كضرائب في غزة تُصرف عمليا في المدينة. عندما اسأله من يحكم هنا في واقع الأمر يجيب على الفور: "لا احد. للحقيقة اكثر مما ينبغي أن نسأل انفسنا من يحظى بتأييد اكبر في الشارع الغزي، من المنطقي ان نسأل من يواجه معارضة أقل. فالفلسطينيون، مثلما في كثير من الأماكن الأخرى، نقديون جدا تجاه حكومتهم ولهذا فإن "حماس" تنال اليوم تأييدا اكبر في الضفة الغربية، حيث تحكم "فتح"، اكثر من غزة، حيث تحكم هي نفسها". وفي الوقت الذي يتحدث فيه، على شاشة التلفاز في الخلفية، تبث القناة المحلية استجداءات العائلات الفقيرة. وفي اسفل الشاشة يظهر رقم الهاتف والكلمات: "من يمكنه، فليساعد".
وعلى حد قوله فان التغيير الذي مرت به "حماس" في السنوات الأخيرة هو بالأساس في المجال الديني. "في البداية حرصت جدا على تنفيذ وفرض قوانين الشريعة"، يشرح أبو سعدة. شرطة "حماس" كانوا يمسكون النساء في الشارع، ليتأكدوا من أن الرجل الذي يمشي الى جانبهن هو الزوج، الأب، الابن او الأخ. كانوا يفتحون زجاجات الماء للمواطنين كي يتأكدوا من أنها ليست فوتكا. كان هذا هو الفرق المركزي بين "حماس" الدينية و"فتح" العلمانية. أما اليوم فلم يعد احد يفرض هنا أي شيء.
"ما لا يزال يميز (حماس) عن (فتح) هو انعدام المرونة تجاه إسرائيل. فـ"فتح" تعتمد على الأسرة الدولية، على المحكمة الدولية في لاهاي، على الأمم المتحدة، على المقاطعة الدولية. أما "حماس" فتعتمد على صواريخها. ولكن الصواريخ هي كل ما تبقى لها. والنتيجة الوحيدة لإطلاق الصواريخ هي طائرات الـ"اف 16" الإسرائيلية التي تقصف غزة".
ان التغيير الذي يتحدث عنه البروفيسور الغزي يمكن أن نلمسه في الشارع. بخلاف الماضي، نكاد لا نرى نساء يعتمرن الحجاب. وانا أيضا يمكنني أن أتجول دون أن اغطي شعري. هذا لا يعني أن غزة أصبحت ديمقراطية. فالسكان لا يزالون يخافون الحديث بشكل حر وانتقاد الحكم، ولكني كصحافية لم اشعر بان "حماس" تضيق على خطاي او تمنعني من لقاء الناس. وهم يعرفون أنني أكتب لصحيفة إسرائيلية.
الحركتان، "حماس" و"فتح"، تنالان التعاطف في الشارع، ولكنهما تتعرضان أيضا لنقد شديد. بطبيعة الأحوال، فان النقد الموجه ضد "حماس" لا يزال حذرا ومبطنا، ولكنه موجود. وفي نهاية المطاف، فان السلطة الفلسطينية، بقيادة "فتح"، مسؤولة بقدر غير قليل عن الوضع الذي علق فيه سكان القطاع. فالسلطة هي التي اقتطعت رواتب الموظفين في القطاع، ولاحقا جمدت دفع الرواتب. كما أنها هي التي أوقفت الدفع لقاء الكهرباء التي تزودها إسرائيل لغزة. بضائع كثيرة مخصصة لغزة عالقة حاليا في مخازن في الضفة الغربية.
ويشرحون لي في غزة بان ما فعله رئيس السلطة ابو مازن هو محاولة لأن يفرض على "حماس" التخلي عن الحكم وإقامة حكومة وحدة فلسطينية، عمليا، وليس فقط على الورق. فنظريا أقيمت مثل حكومة الوحدة هذه، ولكن طالما لا يمكن للوزراء أن يتحركوا من رام الله الى غزة، وطالما كان يوجد لهم هنا قائم بالأعمال من جانب "حماس". وحتى رئيس الوزراء، رامي الحمد الله، تعرض في 13 آذار عند زيارة القطاع لعبوة ناسفة قرب قافلته بعد بضع دقائق من عبوره معبر ايريز. في المرة الأخيرة التي أجريت فيها انتخابات في القطاع كانت في العام 2006، عندما صعدت "حماس" الى الحكم. ويعتقد عصام حامد من منظمي "مسيرة العودة" بان لا معنى لانتخابات جديدة. ويقول: "افضل حكومة حكماء، مثلما في ايران. ذات مرة كنا الأكثر تعليما في الشرق الأوسط. أما الآن فأبناء العشرين يتجولون طوال النهار بلا عمل، ولا يقرؤون شيئا. فلماذا يحتسب رأيهم كرأي بروفيسور في الجامعة؟".
"عندنا (حماس)، التي لا تتحدث مع إسرائيل. وعندنا (فتح)، التي تنتظر ان تتحدث معها الأسرة الدولية. ولكن في غزة توجد حدودان، لا واحدة. مصر يمكنها أن تفتح لنا معبر رفح بشكل دائم وتحل كل شيء في غضون دقيقة. ولكن العالم العربي لا يهمه شيء بالنسبة لنا". أما رأيه في السلطة الفلسطينية فيجمله بجملة واحدة: "كل واحد هناك يحاول أن يكون أغنى من الآخر".

البقاء، لا الحرية
باسم درويش، يكافح تقريبا كل حياته. كان أحد "المخربين" الذين اختطفوا سفينة اكيلا لاورا في العام 1985. قتلوا المسافر اليهودي الأميركي كلينغ هوفر وألقوه في البحر. ويقول درويش "ولكن الآن لم يعد للمقاومة المسلحة معنى".
وعندما يتحدث عن المقاومة المسلحة فانه يقصد أيضا من يقصون السياج من المتظاهرين الفلسطينيين كي يجتازوا الحدود لإسرائيل. ويقول: "كان علينا أن نصل الى الجدار، الى الحدود، وان نتوقف، تماما أن نتوقف ونبقى هناك. دون أن نتحرك. وان ننظر الى إسرائيل. فما المعنى من قطع السياج اذا كانوا سيطلقون النار عليك بعد ذلك؟ فهذا ما تريده إسرائيل، تصفيتنا. على المقاومة أن تلحق ضرراً بالعدو. ولكننا بدلا من ذلك نلحق ضرراً بأنفسنا".
برأي أبو سعدة، ليس لـ"حماس" استراتيجية. ويقول: "في نهاية المطاف، لا توجد أي استراتيجية ممكنة. فبالنسبة لإسرائيل، وهذه الحقيقة، غزة عديمة أي قيمة، دينية، تاريخية، استراتيجية، ومع مليونين من سكانها العرب بلا قيمة اقتصادية أيضا. إسرائيل هدفها التخلص منا.
"الاستراتيجية الوحيدة هي الوحدة. لأن الضفة الغربية مهمة لإسرائيل حقا. مع الضفة إسرائيل ملزمة بالتفاوض".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق