الإنقسام باقي إلا إذا ..

18 يوليو 2018 - 09:59
حازم القواسمي
صوت فتح الإخباري:

بعد عشر سنوات من العمل المضني مع زملائي في التجمع الوطني للشخصيات الفلسطينية المستقلة، أجرينا فيها أعداد ضخمة من الاجتماعات المُركّزة مع جميع الفصائل وتحديداً مع حركتي فتح وحماس داخل فلسطين وخارجها، شملت اجتماعات مهمة وتفصيلية مع سيادة الرئيس أبو مازن والأخ عزام الأحمد وكل من عمِل من حركة فتح على هذا الملف، وأيضاً اجتماعات مع الأخ خالد مشعل والاخ اسماعيل هنية والأخ موسى أبو مرزوق والأخ محمود الزهار وكل من عمِل من حركة حماس على هذا الملف، وكذلك اجتماعات مهمة مع إخواننا المصريين والأردنيين وغيرهم من الاشقاء العرب المهتمين بوحدة الشعب الفلسطيني . أحببت أن أشارككم اليوم استخلاصي في موضوع إنهاء الإنقسام وتحقيق المصالحة، فلطالما أزعجني السؤال الذي راود جميع الفلسطينيين: هل هناك إمكانية للمصالحة بين فتح وحماس أم لا؟ وأطرح إجابتي اليوم بعد عناء طويل من التفكير المضني، من خلال هذا مقالتي هذه، لست لأني متفائلاً أو متشائما، بل أحاول أن أكون موضوعياً وعملياً في طرح التحليل الهادف وكيفية الخروج من المأزق الذي أرهق الشعب الفسطيني في كل مكان وأضرّ بقضيته العادلة.

 برأيي لن ينتهي الإنقسام ولن تتحقق المصالحة طالما بقيت العلاقة مع دولة الاحتلال بهذا الشكل. فاليوم وبعد عشر سنوات على الإنقسام، تأسس نظامين منفصلين يقومان على مبدأين مختلفين. نظام الحكم الأول في الضفة الغربية، والذي تقوده فتح، قائم على أساس اتفاق أوسلو ويهدف إلى تحقيق السلام مع الإسرائيليين على أساس حل الدولتين على حدود 1967 من خلال المباحثات والطرق السلمية والدبلوماسية والقوانين والمرجعيات الدولية. وبرغم كل التصريحات والمطالبات وقرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، إلا أنّ السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية لن تستطيع أن توقف التنسيق الأمني لأن ذلك يعني إنقضاض الاحتلال على السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في اليوم التالي وتدميرها بشكل فوري. بل إن السلطة الفلسطينية لا تستطيع حتى وقف تنسيق الشؤون الحياتية اليومية مع سلطات الاحتلال حتى لا تتضرر مصالح الناس وحياتهم لأن الاحتلال يتحكم بالمعابر والطرق والمياه والكهرباء وكل شؤون الحياة. لذلك، طالما لم تأخذ السلطة الفلسطينية قراراً بحلّ ذاتها وتسليم المفتاح لنتانياهو، لن تستطيع التوقف عن التنسيق مع الاسرائيليين في كافة المجالات وعلى رأسها التنسيق الامني، حتى يستمر وجودها وتستمر في خدمة شعبنا بقدر استطاعتها. فالوضع الموجودة به السلطة الوطنية الفلسطينية اليوم لا تُحسد عليه، خاصة في ظل مصيبة "صفعة القرن".

 أما نظام الحكم الثاني في قطاع غزة، والذي تقوده حماس، فهو أيضاً جاء نتيجة اتفاق أوسلو ونتيجة إنشاء السلطة الفلسطينية، وصحيح أنّ حركة حماس تؤيد مؤخراً إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967،  إلا أن أجهزة حماس في قطاع غزة، مع غيرها من الفصائل،  اشتبكت عسكريا مع الاحتلال في ثلاث حروب شنّها الاحتلال على القطاع خلال ستة سنوات، بالإضافة لإطلاق الصواريخ، برغم بساطتها، بشكل مستمر طيلة الفترة الماضية. وبالنسبة للتنسيق مع الاحتلال، فلا شك من وجود تنسيق من نوع ما، قد يقول البعض عنه مباشراً أو غير مباشر، بين حركة حماس وسلطات الاحتلال في عدة  أمور أهمها وقف تدهور الأوضاع حين تسوء من الناحية الأمنية على الجهتين، وتنسيق إدخال البضائع والأشخاص إلى قطاع غزة، وخروج المرضى من قطاع غزة إلى مستشفيات القدس والمستشفيات الإسرائيلية، ودخول الغزيين للصلاة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وغيرها من الأمور التي تعتبرها حماس لا تمس بسلامة عناصرها الأمنية وتركبيتها العسكرية وسرّية عملها. إذن فالعنصر الأمني والمعلوماتي المخابراتي العسكري هو الشيء الحسّاس في الموضوع وهو الشيء الذي لا تريد حماس أن تتنازل عنه لأنه في نظرها يُقوّض وجودها ويُنهيها بعد ثلاثين عاماً من الكدّ والتعب في بناء ترسانتها وأجهزتها ومؤسساتها وكادرها. ولذلك يكون الحديث عن أي تمكين لحكومة الرئيس عباس وأجهزتها الأمنية على أرض وحدود قطاع غزة سراباً وغير واقعياً لأن حماس لن تسلّم نفسها وتدمّر نفسها بنفسها.

 ولذلك، ولأن الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني وقضيته عالي جداً نتيجة استمرار الانقسام واستمرار التعاطي معه بنفس الطريقة السابقة التي لم تؤدي إلى حل، يتوجّب الآن أن يتم التفكير "بحلول عملية خلّاقة" تُعزز مبدأ الشرعية الواحدة للشعب الفلسطيني بمرجعية واحدة، وفي ذات الوقت العمل الدؤوب من أجل خدمة أبناء الشعب الواحد في كل مكان وتعزيز صمودهم في القدس المحتلة والضفة الغربية ورفع الحصار الفوري عن قطاع غزة. المطلوب أن نقلب الصفحة بعد عشر سنوات من الفرقة والجلد الذاتي وفضيحة الإنقسام الفلسطيني أمام العالم حتى تحت الاحتلال، لأن المستفيد الوحيد من الإنقسام الفلسطيني هو الاحتلال الغاشم. وحان الأوان للتوقّف عن تكرار الحديث عن حلول أو اقتراحات أثبت الزمن حتمية فشلها، والبدأ بالتفكير الصعب خارج الصندوق الذي يحتاج من الفلسطينيين جميعاً أن يتنازلوا لبعضهم البعض من أجل الخروج بموقف موحّد ضد الاحتلال ورفع الظلم عن الشعب الفلسطيني الصامد. وإذا اعتقدت بعض الأنظمة العربية أن محاصرة قطاع غزة طيلة السنوات السابقة كان عقاباً لحركة حماس وقياداتها ويمكن أن يفضي إلى سقوطها أو إسقاطها، فقد رأينا بوضوح أنّ الحصار كان عقاباً جماعياً مهيناً لكافة شرائح الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ولم يؤثر كثيراً على حركة حماس وقياداتها. وإنّ هبّة القدس ورام الله الأخيرة قبل أيام نُصرة لإخوتهم وأخواتهم في غزة لهي أكبر دليل على أن الشعب بأكمله قد ضاق ذرعاً بالاساليب السابقة التي تجلب أية نتيجة. وأنه قد بلغ السيل الزبى. فحال إخوتنا في غزة يقول: "ها نحن والموتى سواء".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق