القضية الفلسطينية على موائد التاريخ والحلول

25 مايو 2018 - 12:27
د. سامي محمد الأخرس
صوت فتح الإخباري:
 

منذ سبعون عام والقضيَّة الفلسطينيَّة تتداول على كلِّ الموائد المحلية، الإقليمية، الدولية، وحالة متواترة متواصلة من الإجتهاد والبعثرة المكوكية في أروقة الأزمة الدولية العامة، بحثًا عن حل أو حتى حلول ترتهن لحجم وتأثير المتغيرات الجيوسياسية، والمفاهيمية لطبيعة الصراع في المنطقة، وأطراف الصراع المتعددة والمتشعبة، فتارة تصعد إلى سطح الأحداث ويكثر الصخب حولها، وأخرى تخبو وتبدو وكأنها منسية أو متناسية، ولكن سرعان ما يصطدم الضمير العالمي بها ليجدها شاخصة أمامه، تقف كالطود في وجه أيّ محاولات للمرور عنها أو التسرب بعيدًا عن فعلها وفعاليتها، حاضرة في القراءات السابقة والحاضرة والمستقبلية، لا يمكن تجاهل مؤثراتها وتأثيرها ووجودها، لذلك كانت ولا زالت هي القضية الدسمة التي لا تهضم، ولا تحترق بفعل التفاعلات بكل عناصرها.

وجد العالم أو الأسرة الدولية نفسها مصطدمًا بقضية شعبٍ اقتلع وانتزع من أرضه عنوة، ووفق مخطط واضح ومعلن ليحل محله شعب آخر، تم استنفاره واستجماعه من كل أصقاع العالم، ليشكل كيانًا شاذًا عن تاريخ وحضارة وموروث شعوب المنطقة، وكذلك عن جغرافيتها، كحلٍ أوروبيًا ودوليًا استعماريًا وظيفيًا كان لابد له وأنّ يحيا ويستقر ويقوى لأنه يحمل وظائف متعددة ومتنوعة للاستمرار في السيطرة والإحكام على جغرافيا ملتهبة، وحيوية في السياسات الدولية، والأهداف الاستعمارية الاستراتيجية، لذلك تعامل معها العرف الدولي كأزمة حية، يمكن رفع وتيرة وجودها وتأثيرها وفق المتغيرات الكونية، وخفض وتيرتها أيضًا وفق بعض المتغيرات، وفق ما يتوافق وأهداف ومطامع القوى المهيمنة على مقدرات المنطقة، وفكر التجديد المستمر لقدرات الاستعمار العالمي في واقع مأزومسياسيًا، اقتصاديًا، ثقافيًا، اجتماعيًا، عقائديًا، وجغرافيا معقدة التفكيك والتقسيم والتركيب تمّ الإعداد لها بدقة وبأهداف استراتيجية بعيدة المدى، مع غياب الإرادة الفاعلة والناجزة لأنظمة المنطقة التي لا تمتلك استقلال القرار والمصير، والهدف، وتدين بالولاء والطاعة والتبعية المرتبطة فعليًا بقوى الاستعمار العالمي وقواه.

هذه العوامل أطالت أمد هذه القضية، وجعلتها في موضع التآلف المستمر مع الأزمات، ودائمة البحث على موائد التأريخ القديم والحديث، ووضع صياغات ورؤى وحلول انتهت كمسكنات للمرض ومهدئات للواقع اللحظي وفق متغيراته، انعكس تلقائيًا على النظر لها والتفاعل معها كتقليد وعادة وروتين، ودعامة لتمرير كلّ الأهداف الأخرى في الوعي الاستعماري للمنطقة.

انتهت الحرب الباردة في العقد التاسع من القرن الماضي بسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على القرار الدولي والعالمي، فكان أحد أهم مدخلات هذه السيطرة أوسلو عام 1994 كخروج من أزمة المتغيرات الطارئة في المنطقة والمجرة الكونية الأرضية وتم منح الفلسطينيين حكم ذاتي إدراي لمدة خمس سنوات كمرحلة انتقالية، ولكن هذه الفترة استمرت لأكثر من أربعة وعشرون عام، أيّ حتر راهن اللحظة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين لا حرّاك لحالة الجمود، ولا حلول في أفق الحاضر ووعي المستقبل، رغم كلّ ما مرت به المنطقة وعلى وجه التحديد عام 2010 أيّ عام اندلاع حرّاكات الشعوب العربية، والانتقال فعليًا لمراحل التفكيك بدءًا بالعراق وليس انتهاءً بسوريا، لتعود المنطقة إلى حالة التوتير والتصعيد، وتبقى القضية الفلسطينية رأس الحربة، وكلمة الفعل الأكثر تأثيرًا وحضورًا على الموائد التداولية، دون أي فعل حقيقي أو واقعي في متجهات الحلول العادلة والفعلية للقضية الفلسطينية، بل التعامل معها كحالة نظرية قائمة يتم التعامل معها بالنظريات السياسية، والرؤى المتعددة والمتنوعة في اطار ما يمكن خلاله تسكين الواقع المأزوم وفق مخطط بعيد الأمد، وباستراتيجية هادئة غير متقدة.

مرحلة تتبع أخرى بدأت ملامح جديدة تقفز على السطح بين حالة الشد والجذب إلى أن صعد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية وما شهده هذا التغيير من ملامح جديدة في الفكر والاستراتيجية الأمريكية السياسية، ووضوح آليات التعامل مع الأزمات، وأسلوب تفكيكها من خلال الانطلاق عمليًا في التعامل مع الأزمات في التدرج في طرحها، وتفعيلها بدءًا بالتافق مع ذلك على المستوى العربي الذي أصبح أكثر تقبلًا لوجود الكيان الصهيوني كأمرٍ واقع وضرورة دمجه في مكون المنطقة الجيوسياسي، والانطلاق عمليًا في عملية التطبيع المباشرة والتعاون مع الكيان وهي عملية كانت بالأمس القريب خيانة وخروج عن الأمة، وهي مرحلة استكمالية لمرحلة فض الاشتباك التي بدأت وشُرعت بعد حرب أكتوبر عام 1973، واتفاقيات أوسلو عام 1994 وما لحقها من اتفاقية وادي عربة مع الأردن، ودخول دول عربية أخرى على مسار القضية الفلسطينية وعلى وجه التحديد الدول الخليجية التي تمتلك المال، وتستطيع الاستقطاب الإقليمي، وكذلك استقطاب قوى الفعل الفلسطيني المؤثرة والتي أصبحت تُدرك ما يحدث، وما يمكن أن يحدث في مستقبل القضية الفلسطينية، وهذا يأتي ضمن عملية تهيئة وتمهيد للواقع المحلي الفلسطيني أولًا، وللواقع العربي ثانيًا، اللذان أصبحا أكثر استيعابًا وتقبلًا لما يتم طرحه أو يمكن أن يُطرح، لتعود المسألة الصراعية بإعادة انتاج من صراع عربي – إسرائيلي، إلى صراع سني – شيعي أي مذهبي، وعقد وتشكيل أحلاف بناءً على هذه القاعدة المستحضرة من الصراع التاريخي واستدعاء لذهنية التاريخ العربي والإسلامي عامة.

ما هو المستقبل؟!

في ظل هذه القراة المقتضبة ومع تساره وتواتر الأحداث وخاصة على الساحتين العربية والفلسطينية، والتحركات الأمريكية التي رسمت حدود رؤياها بالانتقال من النظري إلى العملي والفعل على الأرض، بدأت خطواتها باتجاهين أولهما: نقل السسفارة الأمريكية لمدينة القدس وهو قفزًا وتجاهلًا ضرب بعرض الحائط لكلِّ الأعراف والمواثيق والمقررات الدولية التي وضعت القدس في موضع خاص بقراراتها، وخطوة عملية في فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض، في ظل صمت وموافقة عربية واسلامية، ورفض خجول عاجز من قوى الفعل الفلسطينية التي اصبحت منقسمة على نفسها ومع بعضها البعض في برامجها واستقطاباتها الإقليمية المتعددة، ورغم الاختلاف بين هذه الإستقطابات إلَّا أنها كلها تصب في بحور الولاء الأمريكي. ثانيهما: تحويل الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني إلى صراع داخلي عنيف يشهد عمليًا كل مظاهر الانقسام والصراع الجغرافي، وتقديم غزة كمسألة انسانية أكثر منها سياسية مع استغلال سيطرة حركة حماس عليها، والحصار المشدد المفروض على غزة وفصلها رويدًا رويدًا عن المكون الجغرافي والسياسي الفلسطيني، وافشال عمدي متفق عليه لكل محاولات المصالحة والتوافق الفلسطيني ضمن دائرة استراتيجية تستهدف تمرير المخطط العام بدويلة غزة التي ربما تتمد لبعض المساحات في شبه جزيرة سيناء، وبعض المناطق الإدارية في الضفة الغربية.

هذه الرؤية تتأتى وفق تكتيكات أصبحت أكثر وضوحًا في هذه المرحلة، وأصبح العديد من المؤشرات والدلائل تؤكد على ذلك، وتحول العالم للحديث عن غزة بشكل انساني وليس سياسي، وعزلها عن باقي مكونات الجغرافيا الفلسطينية التي ليست بأحسن حال من غزة، كما الحديث عن هدنة طويلة الأمد مع الكيان الصهيوني يتزامن مع التحرك القطري، وكذلك المصري بهذا الشأن، مع الضغط على غزة وتجفيف كل مصادرها المالية والاقتصادية، وفق مفهوم اشغال الرأي العام المحلي بأزمات متتابعة ومتلاحقة اقتصاديًا، تنتهي بالبحث عن خلاص من كلِّ هذه الأزمات، وهي تتدرج وفق حرّاكات اقتصادية مؤثرة وملموسة لدى الشعب الفلسطيني، وربما ما شهدته غزة أخيرًا بما اطلق عليه(مسيرات العودة) وصمت التجمعات الفلسطينية بمبرر عدم تمرير أهداف حماس له من المؤشرات الخطرة بأن الوعي الفلسطيني أصابه الكي، وخضع للتأثير مما ضرب وحدة الهم والمصير الفلسطيني الشعبي، وأن الآلة الإعلامية نجحت في حرف الوعي الشعبي الوطني الفلسطيني الذي تسلل له هذا الفهم الخطير، وهو أهم ما سعى له الاحتلال الصهيوني من جهة، والرأي العام الموجه دوليًا وعربيًا من جهة أخرى.

إذن فما تحمله الموائد الحالية للمسألة الفلسطينية هو ما يمكن قراءته من خلال ما جئنا عليه في السابق، دويلة فلسطينية في قطاع غزة تتمدد في بعض مناطق الضفة الغربية إداريًا، وفي سيناء لبعض الكيلومترات، مع حضور الداعم والممول الاقتصادي لهذا المشروع وهو دول الخليج العربية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق