معاريف / الجيش انتصر، أين القيادة السياسية؟

23 مايو 2018 - 12:31
صوت فتح الإخباري:

حين تبددت سحب الغاز المسيل للدموع ودخان اطارات السيارات المشتعلة، تبينت شدة انتصار الجيش الاسرائيلي على حماس. نحو 60 قتيلا، نحو صفر انجازات والقليل جدا من الاهتمام العالمي. القطريون همسوا بشيء ما، أردوغان قدم مقطعه، هنا وهناك سمع اوروبيون قلقون، وهذا هو. هذا ما نجح يحيى السنوار واسماعيل هنية في جمعه في صالح ابناء شعبهما المنهكين.

باقي المهام اعترضت: لم يكن تسلل لاسرائيل، الجموع لم تنجح في الوصول الى اي بلدة او موقع عسكري، لم يخدش اي جندي اسرائيلي، والاخوان من الضفة الغربية لم يهرعوا للمساعدة، العالم العربي يهز اكتافه، يطلق شجبا هزيلا ويواصل الى الامام، وغزة تواصل المعاناة. حماس توجد في أسفل درك كل الازمنة. خياراتها انتهت، انجازاتها قليلة والافق أسود. لا يوجد الى اين يمكن النزول. هنية، حسب خطة اقتحام الجدار، كان يفترض أن يخطب اليوم في ناحل عوز. وبالفعل، هذا لم يتحقق، وكم خير أن هكذا.

الان دور القيادة السياسية. ولكن لا تحبسوا أنفاسكم. في اسرائيل القيادة السياسية بشكل عام تكون لا مبالية في هذه اللحظات. انتصرنا، فاين الالحاح؟ ليس لدينا ثقافة نصر سخي. لا يبذل جهد لرؤية المولود ولاستخدام التفوق النسبي الحالي من أجل تحسين المستقبل. ليس سرا أنه لا توجد بين جهاز الامن والجيش الاسرائيلي خلافات في الرأي في المواضيع التكتيكية، ولكن توجد هوة في المجال الاستراتيجي. فطريقة عمل الجيش تحظى بالإسناد والاجماع من الحائط الى الحائط وقد اثبتت نفسها.

اما الجمود السياسي بالمقابل فيعتبر في نظر قسم لا بأس به من مهنيي الامن لدينا كمحمل بالمصيبة. لا، لا يوجد نقد صريح على القيادة السياسية، يوجد اعتراف واضح بحقها في رسم الطريق وفي توجيه الدفة. ولكن يخيل لي أن بين الصفوف، بلا كلمات وفي الغرف المغلقة، يوجد ايضا غير قليل من الاحباط.

حماس، يقولون في الجيش، توجد في حرج وجودي. خطتها الاساس ("بلان ايه") عولت على المصالحة الفلسطينية، على وصول ابو مازن الى غزة، على نقل عبء ادارة القطاع الى السلطة الفلسطينية وبداية دمج السيطرة في القطاع بين رام والله وحماس. اسرائيل، التي وافقت على السير في التيار مع هذه الخطوة، انقلبت في وسطها وعرقلتها. هذا السبب الذي جعل حماس تصل الى "بلان بي"، والتي هي مسيرات العودة على الجدار، والتي تستهدف اقتحام الطريق المسدود بالدم، النار وعواميد الدخان. اما الان، فقد تحطم هذا ايضا الى شظايا.

هل توجد "بلان سي"؟ يبدو أن لا. حماس تطلق كل انواع الاقتراحات في كل الاتجاهات. ومثلما سبق أن نشر، وصلت مؤخرا عدة اقتراحات لـ "وقف نار" بعيد المدى مع اسرائيل. هذا النوع او ذاك من الهدنة. اسرائيل تتجاهل. الامكانية الاخرى هي استئناف نار الصواريخ ومحاولة تنفيذ عملية قاسية عبر نفق، على افتراض أنه لا تزال هناك أنفاق لذلك. يخيل لي ان حماس لم تعد تعول كثيرا على هذا الخيار. ما تبقى هو مواصلة اليأس الى أن يأتي انفجار آخر، اسوأ وأصعب من سابقه، وهلمجرا.

التقديرات الحذرة لمحافل في الاستخبارات، صحيح حتى اليوم تتحدث عن أنه في ضوء الضائقة الحقيقية والدرك الاسفل غير المسبوق الذي وصلت اليه الحركة، سيكون ممكنا حمل حماس الى اماكن لم توافق على الوصول اليها ابدا. فسيكون ممكنا مثلا استئناف مساعي المصالحة الفلسطينية، إنزال السلطة الفلسطينية الى غزة وهذه المرة اشتمال بداية تقاسم القوة العسكرية ايضا. لا، حماس لن تنزع سلاحها طواعية. ولكن بالتأكيد يحتمل أن توافق على اقتسامه والا تحوز القوة العسكرية – السلطوية في غزة بحصرية. يمكن لهذا ان يكون تقدما تاريخيا في الطريق الى تجفيف مستنقع الارهاب في القطاع في المرحلة التالية.

المشكلة هي أنه في القيادة السياسية في اسرائيل لا يؤمنون بهذا الطريق. سياسيون يخافون أكثر من قاعدتهم الانتخابية ومن الشبكات الاجتماعية المتحمسة، أكثر من حماسة الغزيين مرة كل سنتين – ثلاث سنوات على الجدران. هذا بالضبط هو الفرق بين زعماء يحاولون تخمين ارادة الشعب، وبين اولئك الذين يقودونه.

رغم الانتصار الواضح للجيش الاسرائيلي في الايام الاخيرة ورغم انعدام النفع في وضع حركة حماس، ورغم موازين القوى الواضحة، فان الغزيين لا يذهبون الى اي مكان. فكلما غرقوا أكثر في غياهب اليأس والضائقة، هكذا يكون لديهم اقل ليخسروه. أول أمس كان هناك 60 غزيا هاجموا على الجدار بعلم صريح انهم ينتحرون. نحن على ما يبدو نريد ان يكونوا في المرة التالية 600.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق