«إسرائيل اليوم» تصفية فادي البطش في ماليزيا: أهداف ورسائل

28 إبريل 2018 - 09:16
صوت فتح الإخباري:

بقلم: يوآف ليمور

كان من الطبيعي أن يوجه إصبع الاتهام باغتيال رجل «حماس»، فادي البطش، لإسرائيل. فقد تبين ان المهندس الغزي لم يهتم فقط بالتعليم وبالدعوة الدينية، كما زعم في البداية، بل بالبحث والتطوير لوسائل قتالية تابعة لـ»حماس»، ولا سيما طائرات غير مأهولة.
لم تخف اسرائيل سياستها في هذا الموضوع أبدا. لا تلك التي تتعلق بتطوير الوسائل القتالية المتطورة لدى منظمات «الارهاب»، ولا تلك التي تتعلق بالمس بأعدائها. فالمعركة ضد «الارهاب» لم تنحصر ابدا بالمنطقة نفسها؛ صحيح أن اسرائيل صفت غير مرة نشطاء «ارهاب» وخبراء في القطاع، وضربت البنى التحتية للانتاج، بل منظومات سلاح، ولكن بالتوازي عملت ايضا في ساحات بعيدة كي تشوش وصول الوسائل القتالية الى غزة، والمس بمن يشارك في إنتاجها ونقلها.
النماذج لا تنقص. بعضها علنية: وضع اليد على سفن وفيها صواريخ ووسائل قتالية اخرى، وبعضها خفية: ربطت مصادر أجنبية اسرائيل بجملة اعمال ضد منشآت وشخصيات. والنماذج البارزة في السنوات الاخيرة كانت تصفية محمود المبحوح، مسؤول «حماس»، الذي ادار شبكة تهريب السلاح الى القطاع وصفي في دبي في العام 2010، ومحمد الزواري، الذي عمل على تطوير الطائرات المسيرة، وصفي قبل سنة ونصف السنة في تونس.
يمكن الافتراض بانه كانت هناك اعمال اخرى لم يحل لغزها او لم تنشر. فليس هناك دوما مصلحة للمصاب في الاعتراف بأنه مخترق استخباريا وعملياتيا، وانه لم ينجح في الدفاع عن رجاله، وليس دوما يوجد للجانب الضارب مصلحة في كشف اعماله والمخاطرة بالانتقام. من المعقول ان هذا لن يحصل هذه المرة: فـ»حماس» ضعيفة ومردوعة ولا تستطيع أن ترد، ولها اسباب وجيهة اكثر لأن تقاتل ضد اسرائيل من مجرد تصفية أحد رجالها.
إن الخطر الاساس في مثل هذه التصفية هو أساسا على من ينفذونها. لماليزيا إيجابيات وسلبيات من حيث مكان النشاط: فمن جهة، دولة اسلامية معادية (نسبيا)، بعيدة، مع غلاف انقاذ مركب؛ ومن جهة اخرى، دولة مع اجهزة أمن ضعيفة، كثرة الاجانب توفر امكانية سهلة للاختفاء في اوساطهم، وبالاساس خيارات عديدة للهرب البري والجوي.

الغلاف أعقد من التصفية
عملية اقرار مثل هذه العملية تتضمن مراحل عديدة. تبدأ بلجنة قادة الاجهزة، التي تضم رؤساء «الموساد»، «الشاباك»، و»أمان» – اهداف جمع المعلومات وبعد ذلك التصفية، وتتواصل في جملة مداولات واقرارات داخل الهيئة المنفذة وفي القيادة السياسية. دروس الماضي، ولا سيما من التصفية الفاشلة لخالد مشعل في الأردن، تولي أهمية خاصة لمكان التصفية: فالبطش كان سيسافر الى مؤتمر في تركيا، وبعدها الى لندن. من المعقول ان من صفاه قرر الامتناع عن مواجهة علنية مع اردوغان، وبالتأكيد مع بريطانيا، الحساسة جدا للموضوع على خلفية المس بالجواسيس الروس السابقين على اراضيها.
ماليزيا، رغم سلبياتها، هي هدف مريح نسبيا للعملية. وفي الغالب، قسم التصفية هو الاقل تركيبا في العملية. فالغلاف حولها اكثر تعقيدا بكثير: جمع المعلومات عن الهدف والذي يستغرق احيانا سنوات: عن عاداته، عن مكان سكنه وعمله، ولاحقا اختيار مكان المس به لتقليص الضرر العام وتقليص الخطر على المنفذين، وكذا اعداد الغلاف: التوثيق العملياتي وشكل الدخول الى الدولة والهروب منها.
لا يوجد جهاز استخبارات لا يواجه اوجاع رأس كهذه قبل العمليات. من المعقول أن مواضع القلق الاسرائيلية أكبر بكثير. فلا يتجول جاسوس او مصفّ في العالم بهويته الحقيقية، ولكن الاميركيين، البريطانيين، والروس يمكنهم ان يصدروا لرجالهم جوازات سفر اصيلة على اسم آخر؛ اما اسرائيل، حسب منشورات اجنبية في الماضي، فتعتمد على جوازات أجنبية، وتبعا لذلك على هويات مقترضة. كانت هذه هي الحالة دوما، ولكن العصر التكنولوجي الجديد يخلق هنا ايضا اوجاع رأس غير بسيطة. فنشر صور اعضاء الخلية التي صفت المبحوح في دبي، مثلما التقطتهم كاميرات الحراسة في ارجاء العمارة، أوضح أن شيئا ما تغير؛ وجانب اطلاق النار بالمسدس هو جانب مهم ولكنه بعيد عن أن يكون الاساس اذا كان يراد ضمان سلامة المنفذين ومنع الحرج السياسي عن اسرائيل.
من هنا يمكن الافتراض ان الصور الافتراضية التي نشرتها شرطة كوالا لامبور لن تكشف ايا من المنفذين، وانه بخلاف فرضية العمل الماليزية فانهم غادروا الدولة بعد وقت قصير من التصفية، وعلى اي حال باتوا يتواجدون منذ ايام عديدة في مكان آمن.

تهديدات ونوايا
اسرائيل محبة جدا للتصفيات، كسياسة. لم يسبق أن كان رئيس وزراء تجاوز الالتزام المتآكل «سنطارد اعداءنا في كل مكان وفي كل زمان». كانت هناك فترات تواترت فيها العمليات، وفترات اخرى شحيحة. وقد نبع هذا اساسا من طبيعة رئيس الوزراء ورؤساء «الموساد»، الذين عملوا تحت إمرته ومن نتائج العمليات السابقة: فالنجاحات زادت الشهية، وسهلت إقرار مزيد من العمليات فيما تسببت الاخفاقات بالجمود وبوقف النشاط.
هكذا، بعد قضيتي مشعل والمبحوح، كانت هناك فترات جفاف في كل ما يتعلق بنشاط وحدة التصفية فيه «كيدون». بالمقابل، فان تصفية عماد مغنية، التي نسبت لاسرائيل، أدت الى ازدهار عملياتي في أثنائه ارتبطت اسرائيل بجملة أعمال، بما في ذلك تصفية عدة علماء نووي بارزين في ايران. ولا تزال  هذه العمليات تقر بتقنين تفصيلي وتحظى بتشدد عملياتي وسياسي زائد، على خلفية امكانية التورط الشاذ فيها، ما من شأنه ان يكلف حياة المنفذين والضرر السياسي غير البسيط لاسرائيل.
يخيل أن اسرائيل تشعر الآن بحرية نسبية للعمل، ولا سيما حيال «حماس». فلمثل هذه التصفيات اثر ثلاثي: فهي تخرج من اللعب محافل خطيرة، تردع العدو، الذي يفهم بانه مخترق ومهاجم وبالتالي مطالب بان يستثمر أكثر في الدفاع، وهي تشير الى جهات اخرى بان اسرائيل مصممة على الوقوف عند مبادئها ولن تتردد في أن تزيح عن طريقها من يهددها.
العنصران الاولان ذوا صلة اساسا بـ»حماس». فليس فقط فقدان خبير سلاح من المعقول الافتراض بان ليس هناك الكثيرون مثله، بل الاعتراف، مرة اخرى، بانها مكشوفة امام اسرائيل، في غزة وفي ارجاء العالم. هذا لن يدفع «حماس» لتتخلى عن سياستها. فالمنظمة ستواصل البحث عن السبل لتطوير الوسائل القتالية التي تهدد اسرائيل، والخبراء الذين يساعدونها في ذلك، ولكن فقدان شخص مركزي كهذا يفترض التوقف، التعلم، والتغيير في اساليب العمل.
والعنصر الثالث يتعلق اساسا بايران، التي توجد اسرائيل، الآن، معها في معركة علنية. الرسالة التي تنشأ عن التصفية في ماليزيا هي أن اسرائيل ستعمل ضد من يعرضها للخطر. هذا صحيح ضد رجال «حماس» في ماليزيا، وكذا للإيرانيين في سورية. يدور الحديث عن حالتين مختلفتين جوهريا بالطبع، ولكن في الشرق الاوسط لا تمنع التهديدات والنوايا الحاجة الى الفعل. ينبغي للمرء أن يكون متفائلا جدا كي يصدق بان هذا ما سيوقف ايران، ولا يزال من المعقول أن الرسالة من ماليزيا ستعطي صداها في طهران ايضا.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق