معاريف / تحذير للأسد، للروس ولإيران

16 إبريل 2018 - 08:12
صوت فتح الإخباري:

وعد وأوفى: بعد خمسة ايام من الاستعدادات، ببطء وبجذرية كما هو مناسب لقوة عظمى، هاجمت الولايات المتحدة بصلية من 105 صواريخ جوالة ثمانية اهداف لنظام بشار الاسد.

بخلاف الانطباع، هذه لم تكن اهداف عقارية. فالحديث يدور عن مبان ومجالات ترتبط بسلسلة التطوير، الانتاج، التخزين والتحريك لبرنامج السلاح الكيماوي. في البنتاغون قالوا ان برنامج السلاح الكيماوي تضرر بشدة واعيد سنوات الى الوراء، وان كانت بقيت "بقايا" قدرة للأسد. وهكذا اثبت الرئيس ترامب بانه رغم تذبذباته وتغريداته، يعرف كيف يكون مصمما ويسند الاقوال بالأفعال. فالهجوم في ليل السبت، الثاني في عدده في سوريا في السنة الاخيرة يرتفع كشارة واضحة أمام التردد والانبطاح لسلفه اوباما في هذا الموضوع.

لقد اصيبت الاهداف ولكن هذه ليست القصة. ما يثير الاهتمام هو الرسالة التي في مجرد الهجوم. هذه رسالة استراتيجية يفترض أن تشغل بال الاسد وراعييه – روسيا وإيران. فالرسالة لم تطلقها فقط الولايات المتحدة بل وبريطانيا وفرنسا ايضا، اللتان شاركتا في الهجوم. هذه الدول الثلاثة هي اعضاء في مجموعة الستة (الى جانب المانيا، روسيا والصين) التي وقعت على الاتفاق النووي مع إيران قبل نحو ثلاث سنوات. وبعد نحو شهر سيبشر ترامب اذا كانت الولايات المتحدة ستهجر الاتفاق أو تطلب بعض التحسينات فيه. وحقيقة أن فرنسا وبريطانيا ارتبطتا به في الهجوم في سوريا، قد تشير الى انهما قد تكونا تنسقان معه في موضوع الاتفاق النووي وبالتالي فان لإيران اسبابا وجيهة للقلق.

تقضم طهران اظفارها في انتظار ممزق للأعصاب لقرار ترامب، ويترافق هذا وصراع قوى داخلي بين الحرس الثوري وقائد قوة القدس، الجنرال قاسم سليماني، الذي يتصدر مشروع تثبيت التواجد الايراني في سوريا، وبين الرئيس حسن روحاني، الذي يحاول تقليص التدخل وتوجيه الاموال من المعركة العسكرية الى تحسين الوضع الاقتصادي. في مثل هذا الواقع لن تسارع إيران الى الاصطدام مع اسرائيل، واذا ما فعلت هذا رغم ذلك، فإنها ستوفر للغرب دليلا آخر على أن وجهتها نحو المواجهات والتوسع.

لقد وعد الناطقون بلسان إيران بالرد وبالثأر على موت سبعة من مستشاريها، بمن فيهم ضابط برتبة عقيد، في الهجوم المنسوب لسلاح الجو الاسرائيلي على مطار تي فور، الذي هو واحد من مراكز تثبيت وجودها في سوريا. ينبغي التعاطي مع التهديدات بجدية ولكن دون الفزع منها. في هذه المرحلة، في المدى القصير، ليست وجهة إيران نحو مواجهة علنية مع اسرائيل.

في هذا السياق، وفي هذا التوقيت ينبغي أن نرى ايضا قرار الناطق العسكري الاسرائيلي النشر في ليل السبت، قبل ساعات من الهجوم الغربي في سوريا، السر الذي كان يعرفه الكثيرون في أن الطائرة المسيرة الايرانية التي اسقطها سلاح الجو قبل نحو شهرين عند تسللها الى اسرائيل كانت مسلحة بمواد متفجرة واستهدفت اغلب الظن مهاجمة منشأة عسكرية في الدولة. يمكن الافتراض بان هدف الطائرة المسيرة لم يكن ايقاع خسائر في الارواح بل فقط ضرر مادي، وذلك للإشارة الى أنها لن تقعد مكتوفة الايدي امام هجمات سلاح الجو ضد قواعد ايرانية في سوريا.

ان الهجوم الامريكي – البريطاني – الفرنسي هو ايضا أكثر من تلميح شديد الوضوح للأسد وبوتين. فكلاهما يسعيان الى تحقيق الاستقرار في سوريا ومواصلة تثبيت النظام. الاسد لأسباب مفهومة، لغرض توسيع مدى سيطرته، وبوتين كي يتمكن من اعادة قواته (فقد وعد بان يحصل هذا حتى شهر اذار 2017 ولكنه يجد صعوبة في الايفاء بوعده) والشروع في جني الارباح الاقتصادية في شكل امتيازات نفط ودخول شركات روسية لإعمار سوريا. التلميح الغربي بالتالي واضح: الاسد، مع اسناد بوتين، لا يمكنه أن يواصل الاستخفاف بمعايير الاسرة الدولية.

ان استقرار الاسد هو ايضا الورقة الاقوى لاسرائيل في صراعها ضد إيران. إيران تسعى الى الهيمنة الاقليمية، الى اقامة رواق شيعي بري عبر العراق وسوريا الى لبنان والى البحر المتوسط واقامة قواعد بحرية، جوية وبرية. وهدفها الخفي هو ليس فقط الحصول على عقود سمينة في اعمار سوريا بل وايضا تثبيت وجود عسكري فيها كي تتمكن من تهديد اسرائيل وخلق خطوط احتكاك معها وجبهة مباشرة في حدود هضبة الجولان.

تظهر القيادة العسكرية والسياسية لاسرائيل حتى الان التصميم في أنها لن تسمح بذلك. وكانت يد اسرائيل حتى الان هي العليا في تبادل الضربات مع إيران. دليل على ذلك يمكن أن نجده في خطاب الامين العام نصر الله ليل السبت. فإلى جانب الخطابية والحماسة الاعتيادية، نقل الرسالة الخفي: هذا ليس أنا. أنا لا ارتبط بالمواجهة الناشئة بين اسرائيل وإيران.

من ناحية اسرائيل، السؤال الاهم هو الى اين هي وجهة ترامب. هل في اعقاب الهجوم سيعيد ترامب حساب مساره في كل ما يتعلق بتدخله في سوريا أم سيواصل التمسك بقراره مغادرة سوريا حتى تشرين الاول واخراج 2000 جندي امريكي ينتشرون في الدولة من هناك. إذا فعل هذا، فالهجوم سيبقى مثابة حكاية، ملاحظة هامشية صغيرة، في الحرب الاهلية السورية. وهكذا فانه سيترك سوريا تماما لمصيرها امام النفوذ الروسي الايراني وسيضع اسرائيل وحدها امام إيران، التي تواصل تعميق تواجدها في الدولة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق