هآرتس / الهجوم الأمريكي هو إنجاز للأسد

16 إبريل 2018 - 08:11
صوت فتح الإخباري:

الرئيس السوري بشار الاسد يستطيع أن يسجل لنفسه اليوم انتصار آخر في النضال على الرأي العام وتأييد العالم العربي كله. من هذه الناحية فان مهاجمة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا للمنشآت الامنية في سوريا هي فشل للتحالف المرتجل الذي قاده الرئيس ترامب الى جانب رئيس فرنسا ميكرون ورئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي، هو بالتأكيد أكثر من نجاح لبشار الاسد نفسه.

الدول العظمى الغربية لم تتعلم بأن أي هجوم غربي على عاصمة عربية لن يخرج السكان للاحتفال في الشوارع ولن يحظى بتأييد يؤدي الى تغيير الرأي العام، دون علاقة بدرجة الطغيان للزعيم الذي يقف على رأسهم. وهكذا فان المعارضين الاكثر حدة للنظام السوري يجدون صعوبة في أن يهتفوا للهجوم. من المهم القيام بفصل جوهري بين موقف زعماء عدد من الدول ومنها دول الخليج وبين الوعي العام لسكان العالم العربي والعالم الاسلامي.

جهاز الاعلام السوري لم يكن بحاجة الى جهد خاص بشأن مهاجمة ثلاث دول عظمى لدمشق وضواحيها. الهجوم حظي على الفور باسم العدوان الثلاثي – وهو اسم منقوش جيدا في الوعي القومي العربي منذ 1956 عندما اتخذ جمال عبد الناصر، الرئيس المصري في حينه، القرار التاريخي بتأميم قناة السويس، الامر الذي أدى الى هجوم ثلاثي من بريطانيا وفرنسا واسرائيل ضد مصر. الموقف الصلب للشعب المصري في حينه الى جانب دعم الاتحاد السوفييتي أدى الى انتصار سياسي وانتصار كبير لدى الرأي العام لناصر والذي حظي بتأييد العالم العربي كله وتأييد دول كثيرة في امريكا اللاتينية وشرق آسيا. الرواية في حينه كانت واضحة، انتصار الخط القومي العربي امام دول الامبريالية والكولونيالية والهام الشعوب التي ناضلت من اجل الحرية والاستقلال السياسي والاقتصادي.

هذه المرة الامر يتعلق بسيناريو آخر مختلف تماما. الاسد بعيد جدا عن ناصر، ويختلف عنه من ناحية شخصية، وأجندة ورؤية استراتيجية. هذه المرة يدور الحديث عن طاغية حصل على نظامه بالوراثة من والده، ومسؤول عن جرائم لا تغتفر ضد شعبه. ومن يسعى الى وجود حقوق انسان وقيم ديمقراطية لا يمكنه أن يؤيد افعاله، ولكن في حين أن الدوافع التي تقف خلف افعاله واضحة، الامر يتعلق بزعيم يفعل كل ما في استطاعته للحفاظ على كرسيه، فان الدوافع التي تقف خلف افعال ترامب وميكرون وماي أقل وضوحا. في الوقت الذي يتفاخر فيه هؤلاء بالمسؤولية عن حقوق الانسان والقيم العالمية، فان الذبح المتواصل في اليمن برئاسة السعودية بقي دون رد من جانب العالم الغربي. ترامب يواصل منح دعمه غير المحدود للسلوك الاسرائيلي أمام الشعب الفلسطيني، وشريكاه يكتفيان بتصريحات ادانة لفظية. إن ما يحدث على طول حدود قطاع غزة في الاسابيع الاخيرة لم يتسبب حتى بدعوة لضبط النفس من قبل الطرفين، ومبعوث ترامب، جيسون غرينبلات، اختار بالتحديد أن يقدم نصائح اخلاقية للفلسطينيين. اذا كان الهدف هو الحفاظ على حقوق الانسان فيجدر ايضا التطرق الى طبيعة النظام المتواصلة في السعودية وباقي دول الخليج، التي ليست أقل شمولية من النظام السوري.

إن دم الشعب السوري لا يختلف عن دم الشعب اليمني والفلسطيني. إن سلوك زعماء العالم الغربي في حفل الاقنعة كشف مرة اخرى اللعبة المزدوجة التي يلعبونها، وفقا لخارطة المصالح التي تخدمهم. على اولئك الذين يسعون الى الوصول الى عالم عقلاني وعادل اكثر، التطرق اولا الى المسألة الاقدم في الشرق الاوسط، منح دولة مستقلة للفلسطينيين. إن التجاهل والاهمال المشترك كشف في نهاية هذا الاسبوع مرة اخرى النفاق الذي تتصرف به الدول الرائدة في الغرب، ونقطة الضعف هذه بالضبط تخدم الرئيس السوري في الحرب على تأييد العالم العربي. الاسد انتقد في الماضي انه لو اتفق مع سياسة الولايات المتحدة وسعى الى تسوية مع اسرائيل من خلال ترك ايران وحزب الله لم يكن ليهم أحد من الدول العظمى الغربية شيء بشأن مسائل حقوق الانسان، وربما حتى أن إبنه كان سيصل الى الرئاسة.

في سوريا وفي اغلب دول العالم العربي ومنها ايضا المعارضة للاسد يفهمون أن الهجوم الاخير لن يؤدي الى تغيير جوهري في توازن القوى. من المشكوك فيه اذا كانت ستمهد الارض لاتفاق سياسي جديد، يضمن تحقيق الطموحات الحقيقية للشعب السوري. في نهاية الامر يدور الحديث عن استعراض قوة آخر لا اكثر. اذا كان الغرب يسعى حقا لمصلحة الشعب السوري لكان زعماء الدول يمنحون دعمهم للمعارضة الوطنية والديمقراطية في سوريا التي تحلم بدولة حديثة وديمقراطية تمنح الحرية لكل المواطنين، ولا تؤيد دول اغدقت المال والسلاح على تنظيمات قاتلة، جعلت الشعب السوري يختار بصورة غير ممكنة بين نظام البعث ونظام داعش أو جبهة النصرة.

ولكن ترامب واصدقاءه لا يهتمون بمصالح الشعب السوري، بل بمصالح دولهم وحلفاءهم الاثرياء في الخليج. الموقف الذي اختاروه في هذه اللحظة لن يؤدي في أي يوم الى اقامة دولة حرة وديمقراطية في الشرق الاوسط مثل التي تتحدى الانظمة القائمة وربما ايضا اسرائيل.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق