مـنـع انـفـجـار "قـنـبـلـة غـزة" فـي وجــه إســـرائـيـل

12 إبريل 2018 - 05:57
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عاموس يدلين*
بعد جمعتين عاصفتين في منطقة الجدار الحدودي بين اسرائيل وقطاع غزة، في أعقاب «مسيرات العودة» التي تقودها «حماس» وتتحدى اسرائيل، أعلن الطرفان النصر.
تبث «حماس» إحساسا بالنصر، وأعربت عن ارتياح شديد، من وجهة نظرعا، بأنها عادت لتقود الكفاح الفلسطيني، حيث وجدت استراتيجية ناجعة لتحدي اسرائيل دون أن تشعل جولة عسكرية اخرى (على الاقل حتى الآن)، فقد وضعت نفسها منظمةً متصدرةً للاحتجاج المدني غير المسلح وغير العنيف، وأعادت الاهتمام الاقليمي والعالمي بأزمة غزة، وصرفت استياء سكان غزة الى أحداث الجدار، وعرضت ابو مازن كغير ذي صلة، وكذا أثارت انتقاداً في العالم ضد إسرائيل على الاستخدام غير المتوازن للقوة العسكرية بشكل خاص وعلى «الحصار» المفروض على غزة بشكل عام.
من الجهة الاخرى، في الساحة الأمنية والسياسية في اسرائيل، ساد أيضا احساس بالنصر: فقد منع اقتحام الجدار، والتدفق الجماهيري الفلسطيني الى اراضي اسرائيل، وهكذا مُنع تهديد خطير على بلدات اسرائيلية في منطقة «غلاف غزة»، ومُنع احتكاك عال بين قوات الجيش ومتظاهرين فلسطينيين، بل وربما قتل جماعي، واستعرض رد ميداني ناجع ورادع لمحاولة تحدي السياسة الاسرائيلية من خلال «الارهاب» تحت رعاية «المسيرات الجماهيرية»، وأحبطت محاولات لزرع عبوات على الجدار وإطلاق النار عبره، ولم يقع قتلى اسرائيليون، مدنيون، او جنود، وفي بلدات الغلاف احتفل بالفصح بلا إزعاج.
ومع ذلك، دفع الطرفان أثمانا غير بسيطة: فقد دفعت «حماس» ثمناً باهظاً من خلال الإصابات بالأرواح في أوساط المتظاهرين، وكذا في صفوف الذراع العسكرية. ورغم تهكم ووحشية منظمة «الارهاب»، ستثقل عليها هذه الخسائر عندما تعمد الى الإبقاء على حجم «الاحتجاج» والاحتكاك العسكري والمدني على الجدار. من ناحية عملياتية، فشلت «حماس» مرتين – لم تنجح في خلق عرض لمظاهرة غير عنيفة وكل نشاطات «الارهاب» التي حاولت العمل عليها تحت غطاء المظاهرة «البريئة» لم تنجح. اضافة الى ذلك (ودون محاولة التنبؤ بشأن ما قد يحصل في ساحة الجدار في ايام الجمعة التالية)، بين يومي الجمعة اللذين وقعت فيهما المظاهرة طرأ انخفاض سواء في حجم المشاركين في الاحداث من الطرف الفلسطيني أم في حجم المصابين في اوساطهم كنتيجة لنشاط الجيش الاسرائيلي. هذا الانخفاض قد يكون بسبب الردع من الجانب الاسرائيلي، وكذا يشهد على التغيير في أنماط العمل لدى الطرفين.
اما اسرائيل فقد دفعت ثمنا هي الأخرى، ومنيت بخسائر قاسية، حيث تلقت انتقادات دولية قاسية وخطيرة لم تسمع بها منذ سنوات طويلة. وعادت المسألة الفلسطينية، وان كان مؤقتاً، الى جدول الاعمال الدولي، ولولا وقوف الولايات المتحدة الى جانب اسرائيل لكانت لجنة تحقيق من الامم المتحدة في طريقها الى فحص الاحداث. مرة اخرى تجسد الضعف الاساس والعزلة لاسرائيل في ساحة الامم المتحدة، ولا سيما في سياق المسألة الفلسطينية. كما سمع انتقاد من الداخل، اساسه الشك في قواعد فتح النار، الاستخدام القانوني والمتوازن للقوة، والوسائل المبررة لوقف المتظاهرين الفلسطينيين الذين تحدوا السيادة الاسرائيلية في محاولتهم المس بالجدار.
عندما يدور الحديث عن مواجهة هي جد غير متماثلة، فان الطرفين، اللذين يحاولان تحقيق أهداف متضاربة، يمكنهما بالفعل ان يدعيا النصر؛ لانهما يديران مناورات متوازية: اسرائيل، ولا سيما في البعد المادي (الدفاع عن اراضيها السيادية)، و»حماس»، ببعد الوعي والسياسة. وفي عالم الصور، فإن منظومات الوعي المكثفة والاعلام الجماهيري (الذي يتضمن ايضا الانباء الملفقة) يمكن ان يؤدي الاحساس بالنصر لدى الطرفين في الاسابيع القادمة الى احتدام المواجهات على طول حدود القطاع، بل ووراء الجدار. إذ ان الطرفين يقفان امام التحدي الذي ينطوي على استخدام انجازاتهما في الاحتكاك حتى الان لتحقيق غاياتهما بعيدة المدى: بالنسبة لاسرائيل، الاهداف هي استمرار السعي لاضعاف «حماس» وعزلها، وكذا لتقليص الصلة بينها وبين القطاع. بالنسبة لـ «حماس»، الاهداف هي التخفيف من الازمة في قطاع غزة، والسعي الى تبوؤ القيادة الفلسطينية في اليوم الذي يخلي فيه محمود عباس مكانه كرئيس للسلطة الفلسطينية. لانه بالتعريف، ليست اسرائيل هي التي بادرت الى الاحداث في ساحة الجدار، فالكرة توجد في يد «حماس»، التي تحاول اقتحام الحدود، بكل معنى الكلمة، حين يكون الميزان في نظرها ايجابيا، وهي لن تفاجئ اذا ما دفعت نحو استمرار المظاهرات وتطوير انماط الاحتكاك واستخدامها كرافعة لتحقيق انجازات في الوعي وفي السياسة.
ما الذي ينبغي لاسرائيل أن تفعله؟ هاكم سبعة مبادئ لتحسين التصدي لـ «حماس» ولاحداث الجدار.
أولا: ينبغي تأطير الوضع كما هو. على اسرائيل أن تشدد وتعود لتشدد على حقيقة أنها الطرف الشرعي في المواجهة، فهي تحمي حدودا دولية معترفا بها – حدود 1967/الخط الاخضر – التي انتشرت عليها بعد انسحابها من كل سنتمتر في قطاع غزة وتفكيكها كل المستوطنات التي كانت في المنطقة. اما رفع علم مسيرة «العودة» الى داخل حدود اسرائيل، بينما يعلو العلم صليب معكوف يرفع بين اعلام فلسطين التي في ايدي المتظاهرين، فيفترض أن يساعد اسرائيل على التشديد بان الهدف السياسي لـ «حماس» هو تصفية اسرائيل. طريقتها هذه المرة هي اجتياح بشري واسع وكبير الى اراضي اسرائيل تحت غطاء «مظاهرية جماهيرية غير مسلحة»، في سلاحها الطليعي رجال الذراع العسكرية لـ «حماس»، أي «المخربون».
ثانيا: على إسرائيل أن توضح ما هي المعايير العامة لاستخدام النار الحية في مواجهة المتظاهرين، للدفاع عن حدودها. يجب التشديد على أن التوازن يقاس مقابل انجاز المهمة والضرر الذي تأتي لمنعه – حماية حدود الدولة وسيادتها ومنع «الارهاب» ردا على الهجمة المتداخلة التي تنفذها «حماس» – اقتحام جماهير فلسطينية وفيها «مخربون» الى داخل اراضي اسرائيل وبلداتها. وبالتوازي، على اسرائيل أن تجري تحقيقا مهنيا وحثيثا لعموم الاحداث، بما فيها تلك التي يبدو انها لا تنسجم مع تعليمات فتح النار. سيشير بعض التفسيرات، على ما يبدو، الى الصعوبة النابعة عن اكتظاظ المتظاهرين، ودينامية المظاهرة، وانخراط «المخربين» بين المدنيين، وتشويش مقصود بين نشطاء «الارهاب» والمتظاهرين المدنيين، الى جانب قيود الرؤية التي خلقها الفلسطينيون بوساطة اشعال اطارات السيارات. قسم آخر يمكن أن ينتج دروسا لتحسين أنماط استخدام القوة وتكييفها مع التحدي العملياتي الناشئ، في ظل تقليص الاثمان بحياة الناس والانجازات التي تستخلصها منها «حماس». يمكن ان تحدث ايضا حالات تبرر معالجة قيادية لحالات خلل عملياتية أو شذوذات بارزة عن تعليمات فتح النار.
ثالثا: الجيش الاسرائيلي ملزم بان يوسع وان يحسن انجازاته في توثيق اعماله في ضوء المحاولات لتنفيذ عمليات «ارهاب» – اطلاق نار، زرع عبوات، تخريب الجدار وتعريض حياة الجنود للخطر، وعرض ذلك أمام الجمهور والرأي العام الدولي، من خلال بث فيلم وثائقي يوثق كل ذلك، ويوزع الفيلم على وسائل الإعلام، لأن صورة واحدة تساوي ألف كلمة، وفيلم واحد يساوي ألف صورة.
رابعا: من الأهمية بمكان إشعار إسرائيل للدول العربية المعتدلة بآخر التطورات عما يحصل على حدود غزة، خاصة مصر والأردن والسعودية، وتسعى من ذلك لتفعيل أدوات الضغط على الفلسطينيين من جهة هذه الدول العربية البراغماتية؛ للتوقف عن تفعيل المزيد من المسيرات باتجاه اقتحام الجدار.
خامسا: هناك سباق مع الزمن يجري بين اسرائيل و»حماس» للتعلم واستخلاص الدروس. فالمواجهة، التي وقعت الاسبوع الاول، لم  تشبه تلك التي وقعت في الجولة الثانية، وذلك من ناحية سلوك الطرفين. على اساس تحليل احداث يوم الجمعة الثاني، بانجازاته واثمانه، ما يتطلب من الجيش الاستعداد أكثر للمواجهة القادمة، بما في ذلك وسائل القتال وشكل تفعيل القوة. كما أنه من الحيوي جمع المعلومات التي توضح نوايا «حماس» وطرق العمل المختلفة والجديدة التي تخطط لها ليوم الجمعة التالي وكذا للموعد المخطط ان يكون ذروة المظاهرات على طول الجدار يوم 15 ايار.
سادسا: على إسرائيل الاستعداد لفرضية صعبة، تتمثل بتدهور هذه المسيرات لطابع عنيف يضاهي ما حصل في الحروب الثلاث الأخيرة على غزة بين عامي 2008-2014: «الرصاص المصبوب»، و»عمود السحاب»، و»الجرف الصامد»، بحيث تبدأ المواجهة العسكرية القادمة عقب عملية مفاجئة يقوم بها الفلسطينيون. والاستعداد لمفاجأة عملياتية قد تعدها «حماس». اضافة الى ذلك من المهم الاستعداد لامكانية ان تنتشر الاضطرابات، التي لم تنتقل الى الضفة حتى الان، الى المنطقة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، بل الى داخل اسرائيل.
سابعا، بينما تركز على التحدي الفوري للمظاهرات الجماهيرية على الجدار الحدودي بينها وبين قطاع غزة، على اسرائيل أن تواصل الانشغال بالمسألة الاساسية التي توجد أمامها في هذا السياق: الضائقة المتزايدة في غزة وانهيار البنى التحتية في المنطقة سيجعلان من الصعب على اسرائيل مواصلة ادارة الوضع بالكلفة السياسية، العسكرية، والاقتصادية المتدنية نسبيا. بعد منتصف ايار سيأتي شهر رمضان وصيف حار آخر. والنجاحات المؤقتة في احتواء التحدي الذي تعرضه «حماس» وضائقة غزة لن تحيد القنبلة الموقوتة الاجتماعية – الاقتصادية المتكتكة في القطاع.

عن «مباط عال»

*الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، ومدير معهد دراسات الأمن القومي.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق