آخر فصول الأزمة السورية يُرسم بالدم

12 إبريل 2018 - 05:51
د. عبير عبد الرحمن ثابت
صوت فتح الإخباري:
 

بغض النظر عن الجهة المنفذة لهجوم دوما الكيميائى؛ والذى تسبب بمقتل ما يزيد عن 60 شخص من المدنيين جلهم من الأطفال والنساء؛ فإنه من الواضح أن استثمار هذا الهجوم من قبل الولايات المتحدة وحلفائها سيجعل من الأوضاع فى سوريا ما قبل الهجوم مختلفة عن ما بعده، وذلك على صعيد توزيع النفوذ العسكرى للقوى الأقليمية فى سوريا، وهنا تبرز الأهداف الاستراتيجية للضربة المرتقبة؛ والتى أعطى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالأمس إشارة العد التنازلى لها، والذى ينتهى خلال 48 ساعة حسب تدوينات ترامب على تويتر، وهو ما بدا فعليا على الأرض بتحرك مدمرتين أمريكيتين نحو السواحل السورية وإعطاء الإشارة لحالة الاستنفار للقوات الأمريكية وحلفائها فى المنطقة، والذى يتزامن مع تنسيق دبلوماسى أمريكى أوروبى وإقليمى نحو توجيه ضربة قوية للنظام السورى وحلفائه.

 ويأتى ذلك بعد فشل مجلس الأمن فى التوصل لإجماع دولى نحو شرعنة ضربة من هذا النوع بسبب الفيتو الروسى؛ والذى أفشل مشروع قرار أمريكى بهذا الصدد؛ فيما رفض الغرب تمرير مشروع روسى مضاد بفتح الباب أمام تشكيل لجنة تحقيق محايدة فى الهجوم، وهو ما رحب به النظام السورى لأول مرة، والذى كان سابقا يعارض وبشدة أى تحقيق دولى مستقل فى أحداث مشابهة، ولعل من أبرزها حادثة قصف دير شيخون قبل عام بأسلحة مشابهة، وردت فى حينها عليها الولايات المتحدة بهجوم عسكرى جوى محدود فى حينه؛ إلا أن الوضع اليوم يبدو مختلفا نظرا لاختلاف موازين القوة العسكرية فى سوريا خلال السنة الماضية، والذى جاء فى صالح النظام السورى وحلفائه الإيرانيين واللبنانيين ممثلين فى حزب الله؛ والذين أصبح لهم اليد الهامة فى ميكانزمات الأوضاع العسكرية على الأرض.

 وأحد أهم الأهداف الاستراتيجة للضربة الأمريكية الغربية المتوقعة بين لحظة وأخرى هى إضعاف النظام السورى عسكرياً وتدمير سلاح الطيران لديه؛ إضافة لتحييد وسائل الدفاع الجوى لديه، ولكن الأهم هو تقويض الوجود العسكرى لإيران إن لم يكن إنهائه عبر توجيه ضربة قاسية لمواقع التواجد العسكرية لإيران وحزب الله مع عدم الاقتراب من المواقع الروسية تجنبا لأى مواجهة مع الروس، والتى تدرك الإدارة الأمريكية أنها لن تكون محمودة العواقب. والنتيجة الاستراتيجية للضربة المتوقعة هو رسم الخط الأخير فى خارطة النفوذ الاستراتيجى فى سوريا على صعيد القوى الإقليمية، فبعد أن اقتسمت الولايات المتحدة وروسيا حصتها فى سوريا؛ وذلك بتحديد مناطق النفوذ الأمريكى فى شرق وشمال شرق سوريا حيث الأكراد والنفط، ومناطق النفوذ الروسى فى ساحل شرق المتوسط حيث الغاز؛ فإنه آن الأوان لتقسيم ما تبقى من حصة القوى الإقليمية فى سوريا والمتمثلة فى إسرائيل وتركيا وإيران .

 ومن الواضح أن تقليم أظافر النفوذ الإيرانى المتزايد فى سوريا بات قاب قوسين أو أدنى ببدء العد التنازلى للضربة الأمريكية المتوقعة، ورغم حالة الاستنفار والتأهب الروسى العسكري وحالة التناقض السياسى والدبلوماسى الروسى الغربى؛ إلا أن الضربة الأمريكية المتوقعة تصب ضمنيا فى صالح الروس فى سوريا؛ فرغم حالة التحالف بين روسيا وإيران والنظام السورى إلا أن ثمة تباين عميق فى الأهداف الاستراتيجية بين الروس والإيرانيين فى سوريا، وهو ما ظهر فى أكثر من حادثة خلال الأزمة السورية المستعرة، وهو ما يعنى أن إضعاف الوجود الإيرانى اليوم يصب بالأساس فى صالح تفرد النفوذ الروسي السياسى والعسكرى فى سوريا بعد أن حقق هذا الوجود الإيرانى أغراضه المرحلية فى دعم عودة النفوذ الروسى للمنطقة  وتثبيت قواعدها الاستراتيجية فى سوريا والشرق الأوسط مجددا، وبات يشكل مصدر قلق فعلى للروس.

 إن الأيام القادمة ستشهد بداية فعلية لفصول تقليم أظافر النفوذ الإيرانى فى الشرق الأوسط بدعم إقليمى وأمريكى، وآخر فصول الأزمة السورية والتى من المتوقع أن تشهد نهايتها قريبا عبر مؤتمر دولى على شاكلة جنيف (2)؛ بعد أن تكون خارطة توزيع النفوذ قد اكتملت معالمها، ولكن بأثمان باهظة دفعها الشعب السورى المغلوب على أمره من دمائه .

 والتساؤل هنا وأمام طبول الحرب التى تُقرع على مسامع الأمم المتحدة والعالم، وهذا المشهد العسكرى الذى تتقدمه الولايات المتحدة وحلفائها والذى سيتسبب بمقتل الآلاف من السوريين الأبرياء، فما جدوى وجود الأمم المتحدة التى ترفع شعار الحفاظ على السلم والأمن فى العالم و تفشل دوما فى تحقيقه إضافة لفشلها فى إدارة وإنهاء أى أزمة تكون الولايات المتحدة الأمريكية طرف رئيسى فيها؛ ولعل من أهم الشواهد ما يحدث من قتل للمتظاهرين الفلسطينيين السلميين  فى غزة بمسيرات العودة على أيدى قناصة إسرائيليين يتباهون بفيديوهات مسربة بقتلهم للأبرياء بشكل متعمد، وذلك أمام  مسمع ومرأى الأمم المتحدة التى فشلت لمرتين من عقد مجلس الأمن لمناقشة ما يجرى بغزة من انتهاك لحقوق الإنسان بسبب الفيتو الامريكى.

 إن السياسة الدولية لا تقيم للضعفاء وزنا، وكل ما يرفع من شعارات إنسانية وحقوقية ما هى إلا حجج لتنفيذ مصالحها السياسية والاقتصادية وتعزيز مناطق نفوذها ولو على جثث الأبرياء.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق