بالفيديو.. محنة "الداية" تلخص الحالة

30 يناير 2018 - 14:44
صوت فتح الإخباري:

من خلال أنفاسه المتعبة، كسجين رأيْ أو شبه رأيْ، يلخص محمد الداية، ظِل الزعيم الشهيد ياسر عرفات، بمحنته الخاصة، محنتنا جميعاً، ويُلقي الضوْء على حيثياتها المعيبة، ومنها أن شعباً ينشد الحرية والخلاص من أصفاد العدو، يفتقد الى الحرية في مجتمعه، وأن الطبقة السياسية التي تتنطح للقيادة، لا تملك أن تتفوه بعبارة نقدية واحدة، وأن المجتمع المدني والمنظمات الأهلية الممولة بسخاء، لكي تنطق بالحق، ترضخ لكوابيس الاستبداد، وأن الجهاز القضائي والمؤسسات القانونية، التي يُقال إنها تراكم عناصر التحقق والسيادة لدولة فلسطين المستقلة للشعب السيّد، بلا أدنى علاقة فعلية بأدوراها، وأن أطر منظمة التحرير، وللسلطة، وحركة فتح، هي محض كومبارس.

فهذه كلها مكونات وأطياف، يريدها محمود عباس أن تظل شاهدة زور، لا تملك حق التفوه بكلمة واحدة غير ما يريد عباس سماعه، إن لم يكن يريدها أن تظل تحت رحمة حسين حسين مرافقه ذو الخُطى الطاووسية والبذخ الوقح!

فقد زُج بمحمد الداية في السجن الذي يسميه عباس، تفكهاً "بيت الخالة" وتتداعى صحة الرجل في محبسه، ويُنقل الى المشفى، دون أن يَقرع واحدٌ، جرس التنبيه الى مخاطر هذه السفالة، التي تلخصها محنة شخص واحد، يُذكّر بأيام الزعيم الشهيد ومناقبه!

الحكاية هنا، في دلالاتها، تتجاوز محنة الداية. فهي كالنذير الذي يتوعدنا بالمزيد من ألوان البؤس السياسي والاجتماعي والكياني كله. ولعل ما يخص محمد الداية حصراً، من بين هذه الدلالات، أن الحقد على مرحلة ياسر عرفات، في قلب عباس، يذهب الى ألف ميل، متجاوزاً عن حقد عُتاة الأشرار الصهاينة على الفلسطينيين في الداخل.

ففي إسرائيل نفسها، كان للعربي الفلسطيني جمال زحالقة مثلاً، صولات وجولات في العراك مع العنصريين في أيام الدراسة الجامعية، وأحدهم الذي يُدعى ليبرمان، أصبح الآن وزيراً للجيش، بينما زحالقة الذي طرحه أرضاً في ذات عراك، عضو "كنيست" وهو ليس عضواً صامتاً، بل عضو لا يكف عن تعييره بجبنه قائلاً:" "أنا اعرف ليبرمان من أيام الجامعة، حين كان يهاجم الطلاب العرب، ويطلق المسبات باللغة الروسية. كان حينها عنصريًا وفاشيًا، ولم يزل. لكنه كان جبانًا وكان أول من يهرب حين كانت تجري مواجهات بين الطلاب العرب وقطعان اليمين، التي ينتمي إليها.

يبدو أنه يخاف من العرب، وأنصحه بأن يرحل إلى روسيا، حيث لا عرب هناك ولا خوف من العرب". أما الداية فلم يتعارك مع عباس في أيام الزعيم وفي أيام الثورة، ولم يطرحه أرضاً، ولم يفكر في تعييره بجبنه وبكائه أمام القائد صلاح خلف، ولكن مجرد حضور الداية وكل المقربين من زعيمنا ياسر عرفات، يريدهم عباس أن يغيبوا عن عينيه، وقد غاب معظمهم، ولم يتبق منهم، سوى الطامحين الى أدوار، المستعدين للعق الحذاء, لكي يظلوا في الصورة. أما الذين خرجوا من الصورة، فعباس يتمنى لو أنهم كلهم يصبحون نزلاء سجون، يستمتع بأنينهم!

الدلالات تتجاوز محنة الداية، وهي تمثل فحوى النذير: لا قيمة للأطر القيادية، ولا لمؤسسات النظام السياسي التي يجب أن تظل ديكوراً أو أن تتنحى، ولا معنى لمشاعر الناس، ولا إقراراً بحق المناضلين في أن يتعاضدوا مع زملائهم ويتصدوا لإلحاق الظلم والإهانة بهم، ولا اعتبار لتقاليد المجتمع وقيم الوفاء والمروءة، ولا اعتراف للناس بحرية الرأي، ولا أحد فوق التهديد بالمحو وشطب الكرامة وقطع الرزق. إن هذه بانوراما جفاء وسفاهة، تسلب منا جدراتنا في أن نكون أصحاب رسالة نؤديها في سياق الكفاح الوطني.

هو نظام سياسي مُفرغ ولا ينبض ولا يتنفس، وتتجدد كوابيسه التي تؤلم قلوب الناس، ليتبدى مثالاً للظلم الاجتماعي الذي يحاكي الحقب السوداء، ولا يملك العاجزون حياله، سوى التمنيات الخلاصية عن طريق الأقدار، والدعاء بالموت لشيخ الحارة المستبد، الذي يمتص عافية الناس ويهدر كرامتهم ويعتدي عليهم وعلى أرزاقهم في كل ساعة!

لكل شيء نهاية. ومع وصولنا الى النهاية الوشيكة لمرحلة عباس، لن يكون العاجزون من حوله، مهيئين لأي شيء سوى الندم والانزواء، لأن أقصى ما يستطيعونه، هو اقتسام ملامح عباس التي لن تكون آحادها، قادرة على لعب الدور الذي كان لها مجتمعه، في شخص عباس، ولسوف تتكسر آحاداً!

نداء الحرية لمحمد الداية، لا زال صرخة في البرية، يمتصها الخواء، لكن احتباسه سيظل لعنة على الفاعلين وعلى الصامتين!

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق