الاجتماعية الديمقراطية في فكر حركة فتح

30 يناير 2018 - 11:31
صوت فتح الإخباري:

الاجتماعية الديمقراطية أو الاشتراكية الديمقراطية
حين سماع كلمة "إشتراكية" يخطر في بال الكثير من الناس مباشرة الاتحاد السوفيتي السابق و بلدان أوروبا الشرقية وخصوصا بعد فشل هذه التجربة الاشتراكية وتراجع الاحزاب التي كانت تدعو لها. لذلك نجد العديد من اصحاب الفكر الاشتراكي في الوطن العربي اصبحوا يفضلون استخدام كلمة الاجتماعية بدلا عن الاشتراكية حيث ان المصطلحين يشكلان معنى لكلمة واحدة، المشتقة بالاصل من المصطلح اللاتيني "socialistae".
قد يستغرب البعض ان عالم الاجتماع "فيرنر سومبارت" قام في العام 1920 بجمع 260 تعريفا ً لكلمة "الاشتراكية اللاتينية" التي اصبحت مع الوقت مصطلحاً يستخدم لوصف الايدلوجية التي يتمسك بها الافراد الذين يتقاسمون نفس الاهداف والتطلعات والتوجهات السياسية.
بالمفهوم العام والبسيط فإن الاشتراكية (أوالاجتماعية) هي تصور لكي يعيش الناس متساوين بالحقوق السياسية، يشاركون بالقرارات التي تهمهم ولا يوجد فقير بينهم. والتاريخ اصبح في يومنا هذا حافلا بتجارب الانظمة الاشتراكية. بعض قادة هذه الانظمة اراد تغيير المجتمع بأكمله وجعله اشتراكياً، فمنهم من استخدم العنف لتطبيق ذلك، بينما تحدث آخرون عن الاقناع السلمي للشعوب بالاشتراكية.
بينما "الديمقراطية" هي كلمة اغريقية قديمة مركبة تجمع بين كلمتين الاولى: "دموس δῆμος" والتي تعني دولة الشعب و كلمة "كراتوس κρατός" بمعنى الحكم او السلطة فتتكون كلمة "ديموكراتيا δημοκρατία" ونصل لمعنى حكم دولة الشعب. اذا فالديمقراطية هي نظام سياسي يسمح للمواطن بالمشاركة المتساوية إما مباشرة او من خلال ممثلين منتخبين من الشعب حيث تعتبر الانتخابات شكلاً من اشكال المشاركة السياسية في اتخاذ القرارات المختلفة التي تهم المواطن.
وابرز سمات الانظمة الديمقراطية في ايامنا هذه تبدأ في اجراء الانتخابات الحرة، الالتزم بمبدأ الأغلبية و مبدأ التوافق، وكذلك حماية الأقليات وقبول المعارضة السياسية والفصل بين السلطات، الالتزام بالدستور وحماية الحقوق الأساسية للمواطن بالاضافة الى الاحترام المتواصل لحقوق الإنسان وحماية الحريات المدنية. ولما كانت السلطة تمارس الحكم منتخبة من قبل عامة الناس، فإن حرية التعبير والصحافة ضرورية لصنع القرار السياسي وحماية النظام الديقراطي. وقد وضعت "الديمقراطية" رسميا ً كمبدأ دستوري في معظم البلدان الديمقراطية كسويسرة والمانيا والنمسا وغيرها.
وهنالك اشكال متعددة للديقراطية ولكن اهمها الديمقراطية المباشرة حيث يشارك الشعب بشكل مباشر وليس من ممثلين له في التصويت على القضايا التي تتعلق بالدولة. النظام الديمقراطي المباشر الأكثر وضوحاً في العالم موجود في سويسرا.
وهناك ايضا الديمقراطية التمثيلية التي يُسمح بها لممثلي الشعب بممارسة السلطة لفترة زمنية محددة. وبعد انتهاء هذه الفترة يجب تحديد موعدٍ لإنتخابات جديدة. يُمثل الشعب هنا ليس من الهيئات التشريعية كالبرلمان فقط بل ايضا من الهيئات التشريعية كالحكومة والادارات التي لا تنتخب من الشعب بشكل مباشر ولكن من خلال ممثليه المنتخبين منه مباشرة.
لا يمكن تثبيت الديمقراطية في المجتمع وهناك مواطن يشعر بالظلم وان حقوقه مسلوبة و ان السلطة المنتخبة من الاكثرية لا تستطيع تأمين معيشة كريمة له ولأبنائه من خلال تأمين التحصيل العلمي والتأمين الاجتماعي والطبي. من هنا نرى ان الديمقرطية لا يمكن ان تكتمل الا بالاشتراكية، كما ان الاشتراكية لا تتحق الا من خلال الديمقراطية.
إن مصطلح الاجتماعية الديمقراطية أو الاشتراكية الديمقراطية يجمع بين الاشتراكية والديمقراطية في وحدة مترابطة وتجعل منه هدفاً لمعظم الاحزاب الاشتراكية. بدأ هذا الهدف بالظهور والتطور منذ ثورة أكتوبر من عام 1917 في روسيا، للابتعاد عن الديكتاتورية.
ان إنهيار "اشتراكية الدولة" لم يسقط فكرة الاشتراكية الديمقراطية بل على العكس فقد تم التاكيد وبشكل لافت على ضرورة التوجه نحو الاشتراكية الديمقراطية.
فبعد سقوط نظام الحكم الاشتراكي في المانيا الشرقية ووحدتها مع المانيا الاتحادية مثلا، قام "حزب الوحدة الاشتراكي الالماني" وهو الحزب الذي كان يحكم في شرق البلاد قبل الوحدة بتطوير برامجه السياسية بشكل مستمر وتغيير اسمه الى حزب "الاشتراكية الديمقراطية" وذلك قبل تغييره مرة اخرى ليصبح حزب اليسار الذي يضع "الاشتراكية الديمقراطية" هدفا يطمح للوصول اليه. وهو ايضا ليس الحزب الوحيد في المانيا الموحدة الذي يضع هذا الهدف فهناك ايضا الحزب الاشتراكي الديمقراطي وغيره من الاحزاب والتجمعات السياسية الاخرى التي تطمح لتحقيق هذا الهدف.
فالإشتراكية الديمقراطية أو الاجتماعية الديمقراطية تعتبر الحل الوسط بين النظام الرأسمالي و النظام الاشتراكي. "الديمقراطيون الاشتراكيون" يهدفون بشكل عام ومبسط الى مساعدة الكادحين في الدولة التي يعيشون فيها ولكن ذلك يتطلب ان تكون دولتهم غنية بما فيه الكفاية للقيام بذلك. هم يجدون الكثير من الأفكار الاشتراكية جيدة. لكنهم لا يكتفون بتسمية انفسهم " اشتراكين" فقط، بل "اشتراكيون ديمقراطيون" كي لا يتم الخلط بينهم وبين "الاشتراكيين" وربطهم بالعنف وبالدكتاتورية. ويعتبرون حركتهم حركة اشتراكية تصحيحية تعتمد على الحرية والمساواة والعدالة والتضامن كقيم اساسية لها نفس القدر من الأهمية عندهم واهم وظائفهم المحافظة على كرامة المواطن من خلال حماية حقوق الانسان الاجتماعية والسياسية بما يكفل للمواطن حياة سعيدة في سلام وحرية.
وبالنسبة "للاشتراكيين الديمقراطيين"، فإن الديمقراطية هي اساس لتحقيق مبادئ المساواة والحرية على أفضل وجه. ولذلك فهم يدعون إلى أن يكون لجميع الناس الحق في المشاركة في القرارات التي تؤثر عليهم حيث يمكن للمواطنين أن يقرروا ليس في القرارات السياسية وحسب بل في جميع مجالات الحياة اليومية، والإنتاج والاقتصاد والمدارس ومجالات الحياة اليومية.
تركز الاشتراكية الديمقراطية على العامل في المجال الاقتصادي. وتدعو من اجل والرفاهية للجميع وذلك من خلال التوزيع العادل للعمل والسلع والخدمات من اجل الحياة الكريمة للمواطن.
فالاسواق الديناميكية القادرة على الابتكار تسهم ضمن إطار محدد ومنافسة عادلة إسهاما كبيرا في تعزيز الرخاء والرفاهية للمواطن من خلال إجبارها على تقديم الخدمات والسلع بكفاءة وبتكلفة زهيدة لصالح المستهلك، حيث ان القوى المسيطرة على السوق لا تضمن لوحدها التوزيع العادل بل تُركز على رأس المال والاحتكار الذي هو بطبيعة الحال موجه ضد الإنسان والبيئة.
يُشكل العمل ركيزة مهمة واساسية في الحياة البشرية ويقوي الاعتزاز بالنفس واحترام الذات لدى الانسان، فإنه يؤمن الأساس الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الراقي. لذلك وحسب "الاشتراكين الديمقراطين" فأنه يجب توزيع العمل توزيعا ً عادلاً ويدعون الى حق الحصول على العمل فهو حق للجميع، ويعملون من اجل تأمين وإيجاد فرص عمل جديدة، وان يتقاضى العامل اجره المستحق الذي يؤمن له الحياة الكريمة ولا يتم استغلاله من اصحاب العمل الاغنياء لزيادة ثرواتهم. لذلك يجب ان تتاح الفرص لجميع المواطنين من اجل الحصول على أفضل تعليم وتدريب ووظائف جيدة وتأمين حياة كريمة للعامل في سن الشيخوخة.
على الصعيد السياسي فان "الاشتراكين الديمقراطين" يؤيدون السياسة التكاملية التي تضمن التضامن الاجتماعي وترفض التمييز ضد الأفراد او الاقليات التي لها الحق في الاندماج الكامل في المجتمع مع حفاظها على هويتها ولغتها وثقافتها، كذلك حقها في وطنها بالتساوي مع باقي فئات المجتمع المكونة للوطن. كما انهم يؤمنون بالتعددية الحزبية التي لا غنى عنها في المجتمع الديمقراطي من اجل الشراكة في القرارات وتحقيق الاهداف للوصول لمستقبل تعززه المساواة والعدالة الاجتماعية والرفاه.
تعتبر المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في جميع مراحل ومجالات الحياة لدى اصحاب الفكر الاشتراكي الديمقراطي أساساً لتحقيق العدالة الاجتماعية. فالمجتمع العادل يجب أن يتشكل من خلال الاستفادة من الإمكانيات والابداعات الخلاقة لدى النساء والرجال، ومن خلال المشاركة في العملية الديمقراطية لجميع المواطنين والشراكة والتعايش على قدم المساواة بين الجنسين.
للعائلة والاطفال اهمية خاصة لدى الاشتراكيين الديمقراطيين فهم يحرصون على ان ينمو الأطفال في مجتمع عادل لذلك يدعون دائما لحماية المرأة والاطفال وتأمين الرعاية للاطفال في سنة الحضانة، وتأمين فرص التعليم في المدارس والجامعات او المعاهد المهنية لاحقا. كذلك يعتبرون ان الحصول على سكن يحميه وبأسعار معقولة حق اساسي لكل مواطن في المجتمع العادل. ومن حق كل مواطن ان يتحرك بأمان وعلى الدولة ضمان سلامة جميع الناس.
باختصار يكافح "الاشتراكيون الديمقراطيون" من أجل مجتمع يعيش فيه الناس متضامنين في سلام في مجتمعات ديمقراطية تقدر المسؤولية الإجتماعية فمثل هذه المجتمعات هي الأكثر نجاحا إقتصادياً حيث يكون الناس أكثر سعادة وثقة بالمستقبل. كما ان العدالة، التي هي الاساس لتكريس التضامن والتطور والازدهار، تجعل البلدان أكثر ثراء.

المقاومة بالعنف السلمي في فكر حركة فتح
حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح هي يسار اليمين ويمين اليسار المعادلة الأصعب في الممارسة الثورية ضمن ضعف العلاقة مع الحلفاء والتغيير المستمر لوسائل تحقيق الأهداف المرحلية وكذلك النصر النهائي. هذه الوضعية الفكرية لها أبعاد فلسفية عميقة بشرح البعد الإنساني للنظرية الثورية لحركة فتح والمرتكزات الفكرية التي بلورت فكرها ورسمت متجهاتها السياسية وتحالفاتها الإقليمية ضمن دراسة معمقة للفكر السياسي المعاصر في أوروبا أولا ثم المنطقة العربية ثانيا.
ففي العصر الحديث ظهر في أوروبا "فكر السوق الحرة" التي تبنيّ الحرية الشخصية والملكية الخاصة كإطار توافقي بين الإقطاعيين والأعيان وكبار قادة الجيش لتشكيل تحالف داخلي يضمن استمرار اللحمة المجتمعية دون تضارب المصالح، وهذه الأفكار التي تبلورت في بريطانيا مهدت الطريق لتبني فكرة تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية وكذلك الانتخابات الديموقراطية.
أما المنطلقات الحقيقية لفكر السوق الحرة فهي تعتمد على القطبية القوية وتحارب التعددية الشعبية، فهناك مثلا سلطتان لكل شيء في السياسة والإعلام والدين والجيش وأيضا بالجامعات الأكاديمية، هذه القطبية أفرزت اليسار واليمين في السياسة العلمية ونقلتها من حيز طرق التفكير إلى أسس التحالف المصلحي، وأصبح الانتقال من تكتل يساري إلى آخر يميني يسمى عملانية (براغماتية) المنفعة، فلم يعد الرأي السياسي ذا مثالية الإيمان بالحقيقة والثبات على الحق والسعي للدفاع عنهما، بل هي المصلحة العامة والمنفعة الخاصة، وهذا التحول خلق أزمة أخلاقية جعلت كل شيء قابل للتفاوض ولا يوجد مبدأ مقدس بل أن كل قرار يأخذه الانسان يعتمد على الظروف المحيطة باتخاذ القرار لذا فكل شيء متحرك وقابل للتعديل.
ومن زاوية أخرى ظهرت أفكار الندرة الاقتصادية تأثرا بنظرية انقراض بعض الحيوانات والنباتات، مما خلق خوفا حقيقيا لدى الاقتصاديين الذين يسعون إلى دفع الاقتصاد نحو التوسع والنمو مما يعني أن محدودية الموارد ستؤدي إلى انقراضها، لذا لابد من إيجاد موارد جديدة بشكل مستمر لكن من خارج الدائرة الاقتصادية الطبيعية، وكذلك تنظيف الدائرة الاقتصادية الطبيعية من كل أنواع الآفات للحفاظ على حيويتها. هذه الأفكار الوردية لها أسماء خشنة وملطخة بالدماء، فهي الإمبريالية الاستعمارية التوسعية في سلب خيرات الشعوب الفقيرة من أجل رفاهية المجتمعات الغنية من وجهة نظر أعداء فكر السوق الحرة.
على الرغم من أن الإيرلنديين هم أول ضحايا هذه النظرية فهم أول من تعرض لظلم سياسي واضطهاد ديني واستبداد عسكري؛ إلا أن كارل ماركس يعد المؤسس الحقيقي لفكرة رفض النظام السياسي القائم على فكر السوق الحرة، فقد طرح بديلا لذلك مفهوم الثورة الطبقية، فالغالبية العظمى من المجتمع هم من الفقراء لكن هناك قلة قليلة ذات نفوذ اقتصادي تسيطر على القرار السياسي للمجتمع، وهذا يعني أن الرفاهية لا تخص مجتمع الدول الغنية بل هي للطبقة الغنية في أي بلد من بلدان العالم بغض النظر عن التطور الاقتصادي للمجتمع بشكل عام. وبالتأكيد لم يتمكن ماركس من طرح فكرة عملية لتصويب مسار المجتمع سوى طرح فكرة الثورة المسلحة وسحب السلطة باستخدام قوة السلاح ضد الطبقة المتنفذة ضمن مفاهيم استبداد الكادحين"ديكتاتورية البوليتاريا" التي تسعى إلى إلغاء الملكية الفردية وتحويل كل الملكيات للمشاركة الجمعية ووضع القوانين الصارمة ضد نظرية الندرة الاقتصادية ضمن مفاهيم المواطن العالمي في الحياة الشيوعية في ظل الحكومة الاشتراكية الأممية.
إلا أن هذا الصراع الفكري خرج من الدائرة الاقتصادية الطبيعية في الدول الأوروبية لينتقل إلى باقي دول العالم، فأصبح كل مجتمع منقسماً على نفسه وله ارتباط بالمركز الإمبريالي للسوق الحر اليميني أو قيادة الثورة الإشتراكية اليسارية، وأصبحت هذه الدوائر تعيق استقلال القرار السياسي وتعمل على صناعة التبعية الاقتصادية والوصاية السياسية للدول الصغرى؛ مما ساهم في تأخر تطورها وصعوبة لحاقها باقتصاديات الدول الغنية.
إلا أن الحياة السياسية في أوروبا رفضت استمرار القطبية السياسية بين الأحزاب السياسية التي تؤمن بفكر السوق الحرة وكذلك قطبية حماية المجتمع في منافسة مستعرة بين الرأسماليين والشيوعيين.
فالقطبية هي عبارة عن تجاذب داخلي خلق أمراض الانغلاق الفكري وسحب هوامش حرية الاختلاف، ومن جانب آخر وصلت حدة التنافر بين أقطاب المجتمع لحدود العداء والاستعداد للاقتتال الداخلي، عندما وصلت المجتمعات الأوروبية لهذه الحدود، ظهر عقلاء الوسطية الفكرية التي تؤمن بتكاملية العلاقة بين مكونات المجتمع، وأن لكل دولة هوية قومية ترتكز على الحفاظ على التوازن بين الاحتياجات الأساسية للطبقات الكادحة، وأهمية التنمية المستمرة لرأس المال؛ وبدأت هذه الأفكار بتشكيل مفاهيم القيم المجتمعية وتأسيس علم الفلكلور، وبعد ذلك تحديد مكونات الشخصية الوطنية بفروعها الأربعة: الأسطورة القومية، القائد الملهم، الفلاح الشعبي، والبرجوازي الوطني في تراكيب علم الاجتماع الحديث المستند إلى أسس الرأسمال المجتمعي.
هذه الوسطية العقلانية صنعت إنجازا تاريخيا مهما وهو أن المجتمعات الأوروبية بدأت تسأل نفسها ما هي القومية وما الفرق بين الوطنية والقومية؟ وبشكل أصعب تحديد الفروقات الطبقية للهوية المجتمعية في حدود الجغرافيا السياسية للدولة الحديثة، إن الدعوة للحفاظ على الهوية القومية جاء كردة فعل طبيعية ضد الأفكار العابرة للحدود من قبل قطبي المجتمع، حيث تدعو الشيوعية الأممية إلى النضال الطبقي، ومن جهة أخرى تدعو الرأسمالية إلى عالمية السوق الحرة، مما جعل تشكل الحركة الديموقراطية الاجتماعية وكذلك الاشتراكية الديموقراطية في انسلاخ فطري وطبيعي لقطبي الحياة السياسية، وهي البداية الحقيقية لتداول الأفكار دون هالة القداسة التي فرضها منظرو الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء، فالمجتمع لم ير أن الرأسمالية تشكل خطرا على تطوره الاجتماعي، كما أن أطروحات الرأسماليين لإزالة عقدة الخوف المجتمعي بأننا سوف نتعرض للانقراض وفقا لنظرية الندرة، غير مقنعة للغالبية الفقيرة التي ترى الخبز ولا تملك المال لتشتريه، إنها ظاهرة الرأسمالي الاشتراكي في ظل الاقتصاد المختلط.
كانت أولى مطالب الديموقراطية الاجتماعية 1-رفض إزالة الحدود السياسية للعمل السياسي ضمن تبلور فكرة لكل وطن استقلال سياسي يضمن له حق تحديد شكل المواطنة داخله وشبكة العلاقة بين المواطن في وطنه ومصالحه في أوطان الآخرين، 2-على أن تبقى السلطة السياسية لكل وطن مستقلة سياسيا؛ وهي البذور الأولى لمفهوم عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى وهي فكرة طرحتها الحركة الألمانية الديموقراطية الاجتماعية في عام ١٨٧٩.
وفي نفس الفترة أيضا ظهرت جذور 3-العنصرية الوطنية في تصعيد عنيف للحفاظ على الهوية القومية مما ساهم في إعادة تشكل المجتمع المتعدد الثقافات ضمن قبول حق الأقليات بالتمايز عن الأكثرية الحاكمة في المجتمع ضمن حملات الرأسمالية لحماية مصالحها خارج حدودها السياسية. 
ففي تفسيرات الشيوعيين فإن ثورة قادمة وستكون عمالية فلاحية، إلا أن الدعوات لتحقيق ذلك كانت أشبه بالهزل الكاذب، كما أن استخفاف الرأسماليين بمطالب الفقراء المعدمين خارج حدود السياسة الأوروبية الجغرافية، وهي التي شرحت إمكانية التغيير الهادئ للقرارات السياسية للطبقة المتنفذة في المجتمع، عن طريق تحريك الأفكار السياسية لتتناسب مع المتغيرات المجتمعية أكثر من تبنيها لفكر سياسي بشكل صارم وهذه الأفكار أسست لمفاهيم عملية اختصرها "غوته" ب"العلمانية العملية" التي ترفض مفهوم قلب نظام الحكم بشكل دموي لأنه سيسبب فقدان رأس المال لدوره في التنمية المجتمعية بالمقابل لن يوفر الظروف الملائمة لانتصار الثورة، مما رفع من أهمية التنظير السياسي وبداية ظهور الإعلام الحزبي، هذا كله شكل اسس الحرية من مفهوم الديموقراطية الاجتماعية.
إن طرح فكرة تغيير الواقع الفاسد بطرق سلمية لا يعني أنها ليست عنيفة وفق مبادئ الاشتراكية الديموقراطية التي ابتدعت المظاهرات السياسية المعارضة لقرار الحكومات، وتلا ذلك ما قامت به الديموقراطية الاجتماعية من استحداث علم المناظرات السياسية، في رفض كلي لمفهوم قداسة القرار السياسي للحكومة مما جعله يحقق انتصارا مجتمعيا حقيقيا في تطور الفكر العلماني الذي رفض الصبغة الدينية في القرار السياسي في البداية وبعد نضال الأحزاب الوسطية تم إزالة البدلة العسكرية للقرارات السياسية وسن قوانين تمنع الجيش من التدخل بالحياة السياسية الداخلية.
لذا كانت نظرة الرعيل المؤسس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح واضحة في فهم المتجهات السياسية الإقليمية والدولية وجاءت متناغمة مع روح العصر الذي وصل إلى قناعة تيتو ونهرو وعبد الناصر بضرورة ظهور وسطية سياسية عالمية تحت مسمى دول عدم الانحياز للمصفوفة الغربية أو الكتلة الشرقية؛ إلا حركة فتح ذهبت بالوسطية السياسية إلى أبعاد الديموقراطية الاجتماعية المعاصرة عندما رفضت شعار الوحدة العربية طريق التحرير مرتكزة على الأصول المؤسسة لوطنية القضية الفلسطينية دون إلغاء عمقها القومي وعدالتها الإنسانية، فجاءت فكرة جديدة ترفض فكرة انخراط الشباب الفلسطيني في الحياة السياسية الداخلية للدول العربية، كما أنها ترفض فكرة الثورة على الذات والانقلابات العسكرية، مما أعطى لحركة فتح امتدادا عربيا واسعا من خلال انخرا ط الشباب العربي في صفوف حركة فتح وكذلك تلقت حركة فتح دعما ماليا وإعلاميا من الشعوب العربية فيما عرف لاحقا باسم الجبهة العربية المساندة للثورة الفلسطينية.
إلا أن العديد من الحكومات العربية والأحزاب العربية سعت لاحتواء حركة فتح ضمن خط سياسي عربي واحد ضد باقي الأحزاب السياسية، مما دفع قيادة حركة فتح لإصدار مبدئها الصاعق في انحياز حركة فتح لكل من يعمل من أجل فلسطين دون أن يكون هناك خط سياسي وحيد صحيح، ولا يمكن أن تقبل الحركة تصنيفات البعض العربي بنعت البعض الآخر بالعميل للصهيونية واعتباره جزءا من حلفاء الكيان الصهيوني في حوارات عنيفة مع النخب السياسية العربية، خرجت قيادة حركة فتح بمبدأ القرار الفلسطيني المستقل دعما لفكرة فلسطين قضية العرب المركزية والثورة الفلسطينية رأس الحربة في معركة التحرير التي لن نصل إليها إلا بتضافر المجهود العسكري لكل الجيوش العربية، وبدعم من كل الشعوب العربية ضمن فكرة فلسطين وطن لكل العرب وتحريرها واجب وطني قومي ديني وأممي أيضا، هي الوحدة المستحيلة في القاموس السياسي العربي لكنها مع حركة فتح وصلت لمرحلة الحقيقة العملية في مطلع السبعينات من القرن الماضي.
أما الوحدة الوطنية الفلسطينية التي طرحتها حركة فتح في بداية الستينات من القرن المنصرم؛ لم تكن بالضرورة انتصاراً لفكرة الوسطية داخل أطر حركة فتح بقدر ما شكلت انتصاراً للجانب العملي في الثورة على التنظير السياسي الذي كان يسعى لتوسيع القاعدة الشعبية لفكرة فتح بضرورة التركيز على العمل العربي المشترك وجعل الأحزاب العربية أن تقبل أن تحرير فلسطين هو طريق الوحدة العربية لا العكس، إلا القطاع العملي في الأطر الحركية رأى أن العمل الفدائي المسلح سوف يحرك المساحة الجامدة التي تفصل بين الأحزاب العربية مما يجعلها تتقارب ضمن مفهوم كل البنادق موجهة ضد الجيش الصهيوني وأن المعركة ضد الصهيونية هو ما يوحد النضال العربي بكل أطيافه السياسية.
ففي ظل التنافس على من يحكم طرحت حركة فتح العمل المشترك ودفعت القوى الفلسطينية لضرورة الدفاع عن قرار الإجماع الفلسطيني في فهم أوسع لديموقراطية صناعة القرار، فعلى الرغم أن حركة فتح كانت ومازالت تحظى بأكثرية عدد الأصوات بالمؤسسات الفلسطينية التشريعية إلا أنها تبحث دائما عن قواسم الإجماع الوطني لجعل مسألة القرار الفلسطيني المستقل ذا وزن حقيقي للقيادة الفلسطينية التي استحقت عن جدارة مهمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بل إن القرار الفلسطيني يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يكون القرار السياسي بحاجة لدعم عربي ودولي، فبعد تحصين الجبهة الداخلية يبدأ الهجوم الفلسطيني لإصدار قرارات عربية ودولية داعمة للقرار الفلسطيني وأجمل ما فعله الشهيد أبو يوسف النجار هو تكليف قيادات غير فتحاوية بالدفاع عن قرار الثورة؛ كما أن الشهيد كمال عدوان أبدع فكرة الثورة الفلسطينية من خلال تبني كل المستقلين في جريدة الثورة، في بداية مرحلة الوحدة الوطنية العملية من خلال تحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى بيت لكل فلسطيني ومؤسسات الثورة الفلسطينية هي لكل الشعب الفلسطيني وأنصار الثورة الفلسطينية، خصوصا بعد دخول التيار اليساري الماوي في صفوف حركة فتح وتبني فكرة حرب الشعب طويلة الأمد. 
كان هذا التحول الصعب أحد أهم مبررات القائد القومي الراحل جمال عبد الناصر بضرورة فتح علاقات رسمية بين قيادة الاتحاد السوفييتي والرئيس الشهيد ياسر عرفات أبو عمار، إلا أن عرفات أصدر قراراً بتشكيل معسكر الشيوخ وكلف الشيخ عبد الله عزام بوضع القوانين الداخلية له، وقبل الدعم العسكري السعودي للثورة الفلسطينية بعد معركة الكرامة، وهذه المناورات العرفاتية اكسبته صفة الرقم الصعب في بداية أزمة مبادرة روجرز في صيف ١٩٧٠ وهي الدافع الحقيقي في استقبال القيادة السوفياتية لأبوعمار، ومن جهة أخرى تعد هي أيضا السبب الحقيقي في أحداث أيلول بين الجيش الأردني وقوات الفصائل الفلسطينية.
إلا أن الدارسين لتلك المرحلة يجمعون على أن أحداثها المفصلية صعنت القرار الفلسطيني المستقل غير الخاضع لوصاية أي من الدول العربية دون أن يكون ذلك عداء لأي منها، وأكثر من ذلك أن القيادة الفلسطينية هي من يمثل الشعب الفلسطيني ولا يمكن أن يقرر أحد نيابة عن الفلسطينيين ففشل روجرز وكسنجر وفورد وكل من حاول أن يلغي دور القيادة الفلسطينية في أي قرار سياسي يخص فلسطين.
هذا العنف السلمي الذي صوب المعادلة الأقليمية في الشرق الأوسط مما نقل الثقل الحقيقي للصراع العربي الإسرائيلي من كونه صراع حدود وقضية لاجئين إلى قضية وجود شعب فلسطين يطالب بحق تقرير المصير، والسيادة على أرضه ضمن مفهوم الدولة الفلسطينية الديموقراطية، مجرد قبول هذه الفكرة في قمة الرباط للقيادة العربية دفع الكل العربي إلى أن يتعامل مع فلسطين باستقلال تام عن الدول الحاضنة للنضال القومي ضد الصهيونية، مما أفرز قبولا إجباريا للسيادة الفلسطينية على القرار الفلسطيني على الصعيد العربي القومي وهو الذي أهل منظمة التحرير الفلسطينية لتنال العضوية المراقبة في هيئة الأمم المتحدة ويتم سماع الصوت الفلسطيني على أهم منبر دولي.
وذلك عندما خطب ياسر عرفات خطبته الشهيرة المعنونة "لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي"؛ في إعلان واضح وهام أن الفدائي الفلسطيني يخوض غمار حرب تحرير وطنه، وهو يقبل أن يتفاوض على الشكل النهائي لوطنه: ما يعني الوصول لفكرة الديمقراطية الاجتماعية
بالتأكيد أن التكاملية التي فعلت فعلها بالقضية الفلسطينية تستند إلى إيمان القيادة الفلسطينية بالوسطية السياسية، فقد رفضت المبدأ الشيوعي القائل بضرورة 1-الاعتماد على الطاقات الفلسطينية للحفاظ على استقلالية القرار السياسي كما أنها 2-رفضت أن يكون هناك جهة سياسية دولية أو إقليمية تلعب دور الراعي للثورة ولها حق الوصاية للنضال الفلسطيني، بالمقابل 3-لعبت القيادة الفلسطينية على محاور الحلفاء وتلقت الدعم المالي والسياسي والإعلامي والمعنوي من جهات متعددة دون أن تفقد استقلال قرارها السياسي.
كما أن إهمال الحكومات العربية للمخيمات الفلسطينية جعلها تنتقل من مناطق فقيرة إلى مناطق منبوذة في مجتمعات عربية غير قادرة على إدارة ذاتها؛ فجاءت حركة فتح فعملت على تأسيس الميليشيا الشعبية والفرق الكشفية وقوات الزهرات والأشبال في تحويل الغضب الشعبي الفلسطيني إلى قوة رفض الواقع، وتجيير هذا الغضب لخدمة هدف الثورة في تحرير فلسطين من العدو الصهيوني، إلا أن هذه الأفكار أخذت تتلون بفكر الديموقراطية الاجتماعية من خلال طرح فكرة العمل في مؤسسات الثورة التي بدأت بالخدمات الطبية والإعلام ثم مشاغل صامد وغيرها من المؤسسات التي نقلت الثورة الفلسطينية من مجرد قوات مقاتلة إلى فكرة حكومة في المنفى مستخدمة العنف السلمي القاسي نسبيا على كل الدول العربية.
أما معضلة المواطن المنبوذ من وطنه فلقد رفضتها حركة فتح منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي، فلا يمكن أن تسمح الثورة الفلسطينية بالاضرار بمصالح فلسطينيين يحملون جنسيات الدول العربية ولا حتى الجنسية الإسرائيلية، وهذا كله جاء بعد دراسة أسباب فشل الثورات الكردية المتتالية، وكذلك دراسة تاريخ الصهيونية ومسؤوليتها عن اضطهاد اليهود في شرق أوروبا و"الهولوكوست" بسبب استخدامها العنيف لمفهوم الولاء للحركة الصهيونية لا لمواطنة الدول التي يعيش فيها اليهودي.
فجاءت تجربة حركة فتح في تجميد الخلافات الثانوية والتفرغ لتحقيق هدف الثورة وتأجيل باقي الخلافات إلى ما بعد انتصار الثورة، وهذا جعل انتشار الفكر الثوري في صفوف الفلسطينيين مرتفعاً لأنه لا يلزم أحداً بضرورة التفرغ التام بالثورة، فقد يكون الثائر موظفاً صباحا ويخصص ساعتين يوميا للنضال من أجل فلسطين، كما أن النضال الفلسطيني يقبل النضال المركّب ضمن خدمة الثورة الفلسطينية وخدمة إحدى الحكومات العربية في نفس الوقت؛ هذه القضايا التي قد تبدو عادية طبيعية بالوقت الحالي: كانت تعتبر من الجرائم السياسية التي تصل لدرجة العمالة وخيانة الثورة في التنظيمات اليسارية الشيوعية.
فحركة فتح رفضت فكرة المواطن المنبوذ وخرجت بتعريف جديد أن المناضل الفلسطيني 1-هو كل من يناضل من أجل إحقاق الحق الفلسطيني ويعمل على تحقيق النصر للثورة الفلسطينية بغض النظر عن أصله أو دينه أو فكره السياسي، وأكثر من ذلك تعتبر حركة فتح 2-أول من قبل فكرة التطوع في العمل الثوري لفترات متقطعة أو لساعات محدودة، ضمن تبني الحركة لمفهوم الحرب الشعبية طويلة الأمد و3-أن الثورة الفلسطينية مشوارها طويل وبحاجة لمجهودات كل الطاقات الفلسطينية وبالتأكيد ضمن فهم أن المناضل الفلسطيني هو كل من يعمل من أجل انتصار الثورة الفلسطينية بغض النظر عن أصله أو دينه أو فكره السياسي.
هذه الأسس الحقيقية التي مهدت الطريق لقبول فكرة الثورة السلمية اللا عنفية في فلسطين والتي عرفت فلسفيا باسم الانتفاضة؛ بالتأكيد أننا نتحدث عن انتفاضة عام ١٩٨٧ التي أذهلت العالم بقدرتها على الاستمرارية ضمن فهم ممنهج ومبرمج للنضال السلمي اللا عنفي، على الرغم أن الجيش الإسرائيلي تمادى في عقاب كل فعل عنفي ضد الاحتلال بل أن مجرد الهتاف بالمظاهرات كان يعد عنفا يعاقب عليه القانون ضمن باقة قوانين الأحكام العسكرية العرفية الإسرائيلية، وأكثر من هذا تم فرض الإقامة الجبرية على كل سكان الضفة الغربية في صيف ١٩٨٨ حين أعلن الجيش للإسرائيلي أن الخروج من محافظة إلى أخرى في الضفة الغربية بحاجة لتصريح من الحاكم العسكري؛ وفي تصعيد لعنف القوانين العسكرية خرجت قرية بيت ساحور بفكرة العصيان المدني الشامل في رعب العنف السلمي السلبي الرافض للتعامل مع الاحتلال دون أن يقدر على دحر الاحتلال وهو أقسى أنواع التحدي السلمي؛ أما النضال السلمي الإيجابي فهو يشمل المظاهرات والاعتصامات والأساليب الفنية والفكرية لرفض سلطة الاحتلال، وأدواتها العسكرية والاقتصادية والقضائية، فقد تصاعدت في بداية القرن الحالي ليشمل البعد الدولي للقضية الفلسطينية، فأصبحت فكرة نشطاء السلام الدوليين والحملات الدولية المناصرة للشعب الفلسطيني وصولا لفكرة الجدار البشري العازل التي استخدمها النشطاء الغربيون للفصل بين قوات الاحتلال وأبناء الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة.
إن إعادة طرح القضية الفلسطينية على أنها جزء من النضال الانساني الدولي وضع السؤال الأصعب للقضية الفلسطينية:
هل المطلوب دفع الظلم عن الشعب الفلسطيني؟
أم هل المطلوب دعم القيادة الفلسطينية لتحقيق الأهداف السياسية للشعب الفلسطيني؟
في عودة للوراء لفكرة السؤال التقليدي للأحزاب الأممية التي تتبنى فكرة الثورة الدائمة المطالبة برفض شرعية أي حكومة بالعالم مادامت لا تخضع لحكم استبداد الطبقة الكادحة "ديكتاتورية البوليتاريا" والقوى المناصرة للعمال والفلاحين، وهو نفسه الرفض الذي تتبناه الأحزاب الدينية بضرورة وصاية المرجعيات الدينية للقرار السياسي ورفض القرار الحكومي الكافر، هذه المناهج السياسية قامت بتضخيم الفساد الإداري والمالي في السلطة الفلسطينية وقدرتها على العدالة الاجتماعية يين الشعب الفلسطيني، بل أن بعض القوى اليسارية المتطرفة اعتبرت السلطة الوطنية الفلسطينية جزءا من الاحتلال الإسرائيلي المطلوب مقاومته كما يطرح علي أبو نعمة وعمر البرغرثي وسماح السبعاوي والعديد من كتاب موقع إلكترونيك انتفاضة في المهجر الأمريكي والكندي والأسترالي. إلا أن هذه الاتجاهات لا تعمل على الفعل الثوري الحقيقي في المناطق الفلسطينية المحتلة ولا تدعم إلا المؤسسات الأهلية الصغيرة لأنها ترفض التعامل مع أي حزب سياسي فلسطيني.
من جانب آخر ظهرت السياسات العمالية الحديثة في فكرها المتطور في دعم القيادة الفلسطينية وتبني فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية (وهجوم )السلام الفلسطيني ودخول فلسطين في عضوية المنظمات الدولية، هذا الدعم من الأحزاب العمالية الغربية قادم من صراع فكري عنيف داخلها، 
وفي كل التصنيفات الفكرية الحديثة يتم وضع حركة فتح ضمن فكر الأحزاب العمالية الغربية التي تتبنى منهج الديموقراطية الاجتماعية في تاريخها النضالي وبطريقة إدارتها للسلطة الفلسطينية، وهي منهجية قريبة جدا من الواقعية السياسية التي تفرض نفسها في العالم ضد جبروت الفكر الحرياتي "الليبرالي" الداعي إلى تحالف الأقوياء بأي ثمن للحفاظ على قوتهم، هي دعوة قديمة حديثة لسحق الفقراء من أجل الحفاظ على رفاهية مجتمعات الصفوة.
لهذا أصبحت حركة فتح تطرح فكرا مقبولا في المجتمعات الغربية مما ساعد على زيادة متصاعدة باستمرار لدعم القيادة الفلسطينية في صفوف النخب الحزبية والإعلامية والأكاديمية بالمجتمعات الغربية، ولا تجد الأحزاب الليبرالية والجمهوريون المحافظون مبررات لرفض التعامل مع القيادة الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية سوى نعتها بأنها تدعم الإرهابيين حين تتبنى فكرة الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين قي معتقلات الاحتلال الإسرائيلي وتخصيص دعم مالي لذويهم، وكذلك عندما تتعاون القيادة الفلسطينية مع منظمات   مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي وحتى حزب الله.
إن الفكر الحرياتي "الليبرالي" يقف عاجزا أمام واقعية الديموقراطية الاجتماعية في منطلقاتها الفكرية ومتجهاتها السياسية، وما يدعم استمرار الحرياتية "الليبرالية" في الدول الغربية هو ارتباطها بالرأسمال المسيطر على الاقتصاد والإعلام.
والغريب أن المواطن الغربي العادي يتفهم أن الأحزاب العمالية تطرح أفكارا مفيدة بالمنظور البعيد المدى، إلا أن أنياب الليبرالية قادرة على عقاب أي مجتمع يحاول تحجيم قوة الرأسماليين في صناعة السياسات الغربية وهو تهديد حقيقي وظهر جليا بالأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة ثم بعض البلدان الغربية.
ومن هنا يكون تقبل الفكر الحرياتي "الليبرالي" غير منطقي لكنه يدخل ضمن الإرهاب الفكري الذي تعيشه المجتمعات الغربية؛ ومن هنا يكون التدرج الفكري لحركة فتح في التعامل مع المتغيرات السياسية بالدول الغربية في فن تسويق العنف السلمي لفكر حركة فتح الذي تطور ليتماشى مع المدارس الفكرية المعاصرة في أطروحات سياسية شجاعة جعلها غير قابلة للرفض بل أن المبررات والحجج في رفضها يأتي من باب الخوف على مستقبل وحدة أهداف الرأسماليين في العالم.

كلمات مفتاحية
كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق