أميركا، ما بين السلطة الفلسطينية ومحكمة الجنايات الدولية

15 ديسمبر 2017 - 08:08
م. زهير الشاعر
صوت فتح الإخباري:
ْ

يبدو بأن السلطة الفلسطينية في عهد الرئيس محمود عباس تعودت على إطلاق التصريحات الكبيرة التي تحمل سمة البروباجندا و وتهييج المشاعر من خلال رفع السقف عالياً ، سرعان من نكتشف بأنه سقف بلا أعمدة ولا قواعد متينة ، مما يثير تساؤلات ويحفز على البحث وراء مصداقية ذلك من عدمه.
من هنا أود القول ، بأنه كما تعلمون بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اتخذ قراراً تنفيذياً للاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل ، والإيذان بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس ، وقد أدى هذا الامر إلى احتجاجات كثيرة وواسعة ، منها الخجول ومنها بدافع الغيرة الوطنية على المدينة المقدسة وأغلبها مشروعة بالاحتجاج على ما سيؤول إليه مثل هذا القرار ، وهذا أمر لا بأس به، وطبيعي في سياق حقوق الإنسان التي منحته حرية التعبير عن مواقفه الرافضة لما لا يقبله.
ولكن الأمر الغريب أن تخرج بعض الشخصيات الفلسطينية بتصريحات أقلها دلالة بأنها لا تمت بصلة للواقع أو أنها جديرة بالموقع الذي تتبوأ.
فقبل أن أبدأ بتفنيد حيثيات هذا التوجه الفلسطيني لابد من التذكير بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة العظمى الأكثر تمتعاً بالقوة والنفوذ في العالم أجمع، شئنا أم أبينا ، كما أنها تُعتبر أكبر الدول المانحة للسلطة الفلسطينية ، هذا عوضاً عن أنها هي الدولة الرئيسية الراعية لعملية السلام ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ انطلاقتها.
كما أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو قرار تنفيذي، لِمَا كان يعد قراراً مع وقف التنفيذ من الإدارات الأمريكية السابقة ، يجدد كل ستة أشهرٍ من ولاية كل رئيس للولايات المتحدة الأمريكية ، التي أجمع رؤوسها السابقين جميعاً بأنهم يعترفون بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل، مع امتناعهم عن التنفيذ لأسباب أمنية تمس المصالح الأمريكية.
لن أدخل هنا في حيثيات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما تركه من اثر بالغ السلبية على الشعوب العربية والإسلامية التي باتت تحكم معظمها منظومات قمعية ، لا تلبي احتياجاتها ، وبالتالي باتت أضعف من أن تضمن كبح تصرفات شعوبها ، مما يجعل هذا الأمر بالغ الخطورة.
لكنني سأتحدث عما ذهب إليه المسؤولين الفلسطينيين في تهديداتهم الجوفاء التي أطلقوها منذ أن صدر قرار أو ما يسمى بوعد الرئيس الأمريكي باعترافه بالقدس كعاصمة لإسرائيل ، وكان أكثرها سخرية هو الإعلان عن نية توجه السلطة الفلسطينية وذلك لرفع شكوى ضد أميركا في مجلس الأمن الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة بحق النقض الفيتو ، وبالتالي لن يخرج أي قرار من هذا المجلس إلى النور ، وهذا يؤكد سذاجة الطرح وعدم جديته من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه طرح للاستهلاك المحلي بهدف تطييب خواطر المواطن الفلسطيني الذي ملأ قلبه الغضب من ذلك القرار.
لم يكتفي المسؤولين الفلسطينيين بذلك بل ذهبوا بتصريحاتهم المتخبطة أبعد من ذلك بكثير، وذلك عندما قالوا بأنهم سيتوجهون إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة الولايات المتحدة الأمريكية الدولية التي لا تمتلك عضوية في هذه المحكمة، ولكنها تمتلك ألية تفاهم معها كمراقب، تعطيها الحق لتأجيل أي شكوى ضد أي عضو من أعضاء هذه المحكمة لمدة عام ولا يجوز رفع قضية ضدها، كونها عضو دائم في مجلس الأمن تمتلك حق النقض الفيتو ، ظناً منهم بأن هذا القفزة الهوائية ستمر على المراقبين مر الكرام أو جهلاً منهم بحيثيات ومقررات القانون الذي يحكم هذه المحكمة وصلاحياتها.
حيث تنص المادة 5 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17تموز/ يوليه 1998 ، على أن الجرائم التي تدخل في اختصاص هذه المحكمة هي كالتالي:
أولاً : يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره, وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية :-
جريمة الإبادة الجماعية. ، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب وجريمة العدوان.
ثانياً : تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن وفقاً للمادتين 121 و 123 يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة ، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقاً مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن البند 2 من المادة 4 من نفس النظام، ينص بوضوح على أن للمحكمة أن تمارس وظائفها وسلطاتها , على النحو المنصوص عليه في هذا النظام الأساسي في إقليم أية دولة طرف , ولها , وبموجب اتفاق خاص مع أية دولة أخرى , أن تمارسها في إقليم تلك الدولة...... أي أنها تمارس صلاحياتها بين أعضائها وليس ضد دول أو افراد أو جماعات ليسوا أعضاء فيها.
وكون أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسي بامتياز فإن ذلك يعني أن هذا الأمر ليس من اختصاص هذه المحكمة ، وإن فرضنا جدلاً بأن هناك إمكانية لما يطلبه المسؤولين الفلسطينيين، فإن الحالة الوحيدة التي بالإمكان فيها محاولة طرح محاكمة الولايات المتحدة الأمريكية ، هي اللجوء إلى مجلس الأمن حسب المادة 13 من قانونها ، بند "ب" ، الذي ينص على أنه إذا أحال مجلس الأمن , متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت..... وهذا بطبيعة الحال مستحيل أن يتحقق لأن الولايات المتحدة لم ترتكب أي جريمة جنائية في هذه الحالة ، ولن تسمح بتمريره وستستخدم حقها بنقض أي قرار من هذا القبيل، وبالتالي لن يكون هناك محاولة مجدية من الأساس بهذا الخصوص.
هذا يعيدنا إلى أكذوبة التوجه الفلسطيني إلى محكمة الجنايات الدولية فيما يتعلق بمحاكمة إسرائيل الدولة غير العضو في هذه المحكمة والتي تقول بأنه لا يوجد دولة اسمها فلسطين ، وإنما هناك أراضٍ متنازع عليها فقط ، حيث أنه لم يتم حتى اللحظة فتح أي قضية بهذا الخصوص تستوفي الشروط لبدء الإجراءات الفعلية لقضية من هذا القبيل ، وإنما قُدٍمت ملفات عبثية من أحدى دوائر وزارة الخارجية الفلسطينية التي تعتبر جهة غير قانونية وغير مختصة، لذلك لا قيمة لها وتحتاج إلى تحقيق ومداولات صعبة للغاية ، خاصة أنه لا يمكن محاسبة إسرائيل بهذه الطريقة ، كون أن هناك دول في مجلس الأمن ترطبها مصالح استراتيجية معها ، وتمتلك حق النقض الفيتو، وتستطيع عرقلة أي إجراءات ضدها، هذا عوضاً عن أن أي إجراءات بهذا الخصوص ستأخذ سنوات طويلة بلا فائدة أو أي نتيجة مضمونة.
كما أن المادة 17 تنص على أنه : مع مراعاة الفقرة 10 من الديباجة والمادة 1 تقرر المحكمة أن الدعوى غير مقبولة في حالة:
أ ) إذا كانت تجري التحقيق أو المقاضاة في الدعوى دولة لها ولاية عليها , مالم تكن الدولة حقاً غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو غير قادرة على ذلك.
مما سبق وبوضوح من خلال مودا القانون المذكورة ، يعني أن رجالات السلطة يمثلون دوراً متواطئاً سواء كانوا يدركون ذلك أو لا يدركون ، وبأنهم لا يملكون من شأنهم شيء ، وبأنهم يبيعون وهم للشعب الفلسطيني الذي كان ولا زال يحرص بشكل عام على بناء علاقات صداقة متميزة ومتطورة مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة ومن جهة أخرى يحرص على العيش بأمن وأمان وسلام مع شعوب المنطقة تضمن له حقوقه المشروعة بدولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية حسب ما ضمنته القوانين والشرائع الدولية، إلا أن المنظومة التي تحكمه هي منظومة فاسدة، لم تجلب له رخاء ولا ازدهار ولا أمن ولا أمان ، ولم تعطيه الفرصة للانخراط في عملية سلام منطقية وعادلة ، لا بل لم تحقق له جزء من هذا السلام المنشود ، وعوضاً عن ذلك تطلق تصريحات جوفاء مع كل فشل تسجله ، ظاهرها تحدي وجوهرها يهدف إلى إهدار الطاقات وبيع الوهم من أجل قتل الوقت لضمان استمراريتها في الموقع ، والنتيجة ضياع الأرض وضياع عاصمة الدولة الموعودة.
لذلك فإن الأمر لم يعد مجدياً بالصمت على سلوكياتها، وبتجرد وبعيداً عن العواطف فإن الولايات المتحدة الأمريكية من حقها أن تبحث عن مصالحها وتسعى لتحقيقها بالطريقة التي تراها مناسبة مع الأخذ بعين الاعتبار التحديات ومطالب الشعوب التي تنظر إليها كقائدة لهذا العالم يتوجب عليها قيادة تليق بمكانتها القيادية الدولية .
من جانب أخر ، من المعيب أن تكون السلطة الفلسطينية تتواطئ متطوعة، سواء بإدراك منها أو غير ذلك، لأن الضحية في هذه الحالة شعب من حقه أن يعيش بأمن وأمان وسلام كباقي شعوب العالم، ولكن خذلان قيادته له، حطم أحلامه وأحلام أبنائه وهذا هو جوهر الموضوع! ، فهل تستحق قيادة مثل هذه القيادة ، الاستمرار في موقعها؟ ... سؤال يحتاج لجواب شعبي ووطني صادق أو سيبقى الوضع كما هو عليه تحت مسؤولية هذه القيادة غير المسؤولة ، ليكون هناك تشريع أخر في زمن قريب لربما ينتهي بتفريغ الأرض من سكانها !......

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق