هآرتس/ معادلة ترامب الجديدة: فرصة لسرقة الاوراق

11 ديسمبر 2017 - 06:53
صوت فتح الإخباري:

خطاب ترامب، الذي اعترفت فيه الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة اسرائيل، كان خطوة ايجابية. بخلاف المخاوف التي طرحت في وزارة الخارجية الامريكية، ففي الاعلام الدولي وفي الدول العربية، بعد اربعة ايام من ذلك فاننا لسنا فقط لا نشهد  انفجار عنف استثنائي وشرق أوسط مشتعل، بل ونتبين امكانية كامنة وفرصة للتقدم في مسيرة سياسية مختلفة في ظروف مختلفة عن تلك التي اعتدنا عليها. فخطاب ترامب يشجع مناهج جديدة وفحص متجدد لفرضيات العمل والمعادلات التي أدت الى مسيرة السلام على مدى ربع قرن.

لم يتأثر ترامب بالتهديدات التي وصلت من رام الله، من عمان ومن أنقرة. ورفضه الاستسلام للتهديدات، الابتزازات والمواقف غير المتساومة، الى جانب الرسالة الحادة التي تقول ان ليس للفلسطينيين حق فيتو هي سابقة هامة للغاية لمواصلة المسيرة السياسية. حان الوقت للتوقف عن السياسة غير العقلانية للتجربة المتتالية المرة تلو الاخرى  للامر ذاته وتوقع نتيجة مختلفة. فـ 25 سنة من التمسك بالمعادلة ذاتها أدت الى طريق مسدود. ولخطوة ترامب امكانية كامنة لسرقة الاوراق وتشجيع التفكير الابداعي من خارج المعادلات المعروفة.

من المهم التشديد على أن التصريح ابقى على حاله الاطار المقبول للمفاوضات (دولتين تبعا لاتفاق الطرفين، حسم المسائل الجوهرية بالمفاوضات، لا تغيير في الوضع الراهن)، ولكن سياسة الولايات المتحدة فتحت، كما أسلفنا، فتحة لافكار جديدة ولتحدي مبدأ "لا شيء متفق عليه الى أن يتفق على كل شيء". وسيكون من السليم ان تستخدم اسرائيل هذه الخطوة الايجابية وتفحص هي أيضا فرضيات العمل لديها امام الفلسطينيين. لحكومة اسرائيل فرصة استراتيجية نادرة لتصميم التسوية مع الفلسطينيين وفقا لمباديء مريحة أكثر من تلك التي حاولت ادارة اوباما فرضها عليها.

على مستوى الوعي، فان رواية "القدس اليهودية" التي عرضها ترامب لمست الاعصاب المكشوفة للفلسطينيين، الذين من الصعب عليهم أن يقبلوا الصلة التاريخية اليهودية بالقدس. فقد تحلوا بقرارات اليونسكو عن القدس، ولم يفهموا بانه في المعركة الدبلوماسية (التي فضلوها في السنوات الاخيرة) توجد للطرفين امكانيات للمناورة. على المستوى العملي يجسد الخطاب للفلسطينيين، بخلاف ما لعلهم يعتقدون، بان الزمن لا يلعب في صالحهم. واستمرار الرفض المواظب لكل حل وسط سيساعد اسرائيل فقط في تحقيق ما تريده على حسابهم.

قبل نحو سنة فقط كان الوضع معاكسا تماما. ففي الاشهر الاخيرة من ولاية اوباما استخدمت ادارته قرار 2334 في مجلس الامن في الامم المتحدة. فقد منح هذا القرار الفلسطينيين احساسا بان المباديء التي تهمهم جدا هي التي ستتقرر قبل المفاوضات ولهذا فلم يسارعوا الى الدخول اليها. بل وكان ضارا أكثر الخطاب الذي نشأ عن تصريحات وزير الخارجية في حينه جون كيري، الذي ادعى بان "اسرائيل ضائعة بدون اتفاق". كان هذا حافزا هاما للفلسطينيين للاصرار على مباديء لا يمكن لاسرائيل أن تقبلها. عمليا، كانت تأثيرات قرار 2334 معاكسة لما توقعه المبادرون له.

يمكن للسياسة الامريكية الجديدة بقيادة ترامب أن تبطل الكثير من الضرر الذي الحقه قرار الامم المتحدة 2334. على المستوى العملي، يمثل خطاب الرئيس بالملموس انه بخلاف مزاج ادارة اوباما، فان استمرار الرفض الفلسطيني للوصول الى اتفاق او حل وسط في الوقت الحالي سيفسر كفرصة اخرى فوتوها. وكل هذا في الوقت الذي تواصل فيه اسرائيل التعزز - عسكريا، اقتصاديا وسياسيا. أما الرد المتوقع من القيادة الفلسطينية فهو تبني استراتيجية الدولة الواحدة على الدولتين ورفض قبول الولايات المتحدة كوسيط محايد. هذا وهم فلسطيني عديم الاساس في الواقع، ليس له وزن كبير حيال التعاون الاسرائيلي الامريكي مثلما تمثل في الخطوة الاخيرة.

لن يكون صحيحا بالنسبة لاسرائيل ان تفوت التغيير في معادلة مسيرة السلام التي يقترحها ترامب. فحين تكون لاسرائيل شبكة علاقات محسنة مع الادارة والرئيس في واشنطن، يكون من السليم استغلال الفرصة والتقدم في احدى المسائل الجوهرية الحيوية لامنها القومي. فالعالم العربي السني، الذي تقوده السعودية يرى في الهيمنة الايرانية وفي التطلع النووي الايراني، في داعش وفي الاخوان المسلمين التهديدات المركزية عليه، وعليه فسيكون هذا شريكا طبيعيا لمسيرة سلمية اقليمية شاملة تحت المعادلة المعدلة.

فضلا عن انضاج الظروف في العلاقات مع حلفائها، فان حل المسألة الفلسطينية هو مصلحة اسرائيلية اولى في سموها، قبل كل شيء، سيسمح بتصميم حدود وطابع دولة اسرائيل. سيكون هذا بكاء للاجيال اذا اكتفت اسرائيل بالوضع الراهن وارتاحت لصد تهمة الجمود السياسي وتحويلها الى الملعب الفلسطيني. أمامنا نافذة فرص استراتيجية نادرة من الصحيح استغلالها.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق