إسرائيل اليوم / ترامب والقدس

06 ديسمبر 2017 - 08:27
صوت فتح الإخباري:

بقلم: ابراهام بن تسفي

 

في الايام الاخيرة تكثر المؤشرات التي تشهد على أن الرئيس ترامب يبدو مصمما على أن ينفذ قريبا وعده الانتخابي، ويعلن عن اعترافه بالقدس كعاصمة اسرائيل، وما ينتج عن ذلك من اعلان عن قراره لنقل السفارة الامريكية اليها. ورغم عدم تجربته في الساحة الدولية، وربما بالذات لهذا السبب، ينشأ الانطباع بانه بخلاف اسلافه لا يخاف من خطوة جريئة، تتحدى المفهوم السائد المتجذر في الدبلوماسية الامريكية.

يدور الحديث عن مفهوم سائد من مرحلتين، بدايته في التمسك القسري بـ "المدماك المقدسي" في قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 181، في 29 تشرين الثاني 1947، وهو قرار التقسيم الذي حل الاسبوع الماضي 70 سنة عليه. ضمن امور اخرى، دعا القرار الى تدويل القدس بإدارة الامم المتحدة. ورغم أن هذا المدماك كان يفترض أن يختفي وان ينسى فور انتهاء المعركة على القدس في حرب الاستقلال، الا انه واصل تصميم التفكير الامريكي حتى حرب الايام الستة. وذلك في ظل التجاهل للواقع على الارض، والذي كان بعيدا سنوات ضوء عن الحاضر الطوباوي الذي توقعه مهندسو ومصيغو "تسوية الفاتيكان" المقدسية، التي كانت مليئة بالعداء الاردني تجاه اسرائيل في ساحة الخلاف هذه.

وأصبح تواصل المفهوم علامة ثابتة ومركزية في سياسة الولايات المتحدة الشرق اوسطية منذ سكتت المدافع في الحرب وانتهت المعركة بتوحيد المدينة، وحتى دخول ترامب الى البيت الابيض. ومثلما في السنوات ما بعد حرب الاستقلال، بقيت هنا ايضا السياسة الامريكية مخلصة بلا تحفظ للاعتقاد بان مسألة مكانة القدس لا يمكنها أن تجد حلها الا في إطار اتفاق دائم بين الطرفين. وذلك رغم أنه منذ نهاية تموز 2000، مع النهاية الفاشلة لقمة كامب ديفيد، تبين ان استعداد رئيس الوزراء ايهود باراك لتجاوز خطوط حمراء واضحة في مواقف كل حكومات اسرائيل السابقة، وموافقته ضمن امور اخرى على تقسيم السيادة في البلدة القديمة، لم يستجب باستعداد الطرف الفلسطيني للمرونة حتى في ذرة من مواقفه الاساس التي لا هوادة فيها.

هكذا، رغم أنه بذلك انتهت الفرص للتقدم في التسوية في القدس واصلت الدبلوماسية الامريكية حملة اوهامها في انتظار غودو، وذلك رغم المعارضة المتواصلة لتلة الكابيتول لخط موقف الادارة. كما ان حقيقة أنه منذ تشرين الثاني 1995 اقر الكونغرس "قانون السفارة الامريكية في القدس" – الذي قرر بان على الادارة ان تعترف بالقدس كعاصمة اسرائيل وتنقل اليها السفارة الامريكية في موعد لا يتجاوز نهاية ايار 1999 – لم تشكل رافعة فاعلة على رؤساء الولايات المتحدة لتغيير نهجهم التقليدي. وبالتالي، فقد استخدموا على نحو متكرر الخيار الذي منح لهم للتأجيل كل مرة التطبيق للقانون بنصف سنة اخرى.

يوشك هذا المفهوم اليوم على الانهيار، على خلفية رد فعل البيت الابيض على الظروف الاقليمية المتغيرة. وبالفعل، فان عصف المنظومات في داخل المعسكر السني في ضوء التهديد الايراني المتعاظم واستعداد السعودية للخروج من الخزانة والتعاون مع اسرائيل في المجال الاستراتيجي، يجعل الان التحول الذي يلوح في الموقف الامريكي في مسألة القدس محفزا ورافعة، يكمن فيهما الاحتمال لاختراق اقليمي (احتمال يلقي بظلاله على الخطر في ارتفاع مستوى التوتر في الجبهة القابلة للتفجر). وذلك كجزء من منظومة صد واسعة، تدرج اسرائيل ضمن العناصر التي ستنخرط في اطارها بإسناد الولايات المتحدة.

يدور الحديث اذن عن عنصر واحد متداخل في صيغة سياسية مركبة، ستتضمن جملة خطوات بناء ثقة من اسرائيل – وفيها نقل السفارة الى القدس. وعلى أمل ان يسمح هذا الغلاف الداعم (الذي يضم المدماك السعودي ايضا) لاسرائيل بالمشاركة في المسيرة، في ظل اخذ مخاطر مدروسة ودعم امريكي مناسب. ان الفترة التي امامنا ستوضح جوهر "مبادرة القدس" وطبيعة صلتها بالتغييرات الجارية في منطقتنا.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق