التهديد بنقل السفارة لقبول صفقة القرن

05 ديسمبر 2017 - 08:26
رجب أبو سرية
صوت فتح الإخباري:

قرار الكونغرس الأميركي بنقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل من تل أبيب، كما هو حال كل الدول التي تعترف بإسرائيل، ولديها فيها سفارات، إلى القدس، كان قد أتخذ عام 1995، لكن الرؤساء الأميركيين، بيل كلينتون، جورج بوش/الابن، باراك أوباما، اعتادوا تعطيل تنفيذ القرار استناداً إلى صلاحياتهم كرؤساء، حتى لا تنفجر الأوضاع في الشرق الأوسط، وحتى لا يتم تعطيل أو نسف العملية السياسية التي كانت جارية بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، منذ توقيع أوسلو عام 1993، فيما جرى تعطيل تنفيذ القرار من قبل الرئيس الحالي دونالد ترامب، قبل ستة أشهر، وهي المدة التي تتم مراجعة القرار دورياً بعدها، منذ يوم اتخاذه حتى الآن.
ما يلفت الانتباه، أولاً أن القرار قد اتخذ بعد توقيع اتفاقية إعلان المبادئ في حديقة البيت الأبيض، في أيلول العام 1993، أي أن اتخاذه كان أمراً أو فعلاً معاكساً تماماً للوجهة السياسية التي كان يمر بها الطرفان المعنيان، وثانياً، أنه قرار تشريعي يدلل على مستوى الكونغرس الأميركي غير المنسجم مع العدالة الدولية، أو مع قيمها، ومدى خضوع كل شيء في أميركا "للبراغماتيك"، أو للمصلحة الخاصة، حتى لو كانت على حساب مصلحة الآخرين، وهذا هو معنى الحرية الأميركية الصفيقة، وأن الكونغرس ما هو إلا مرتع لرجال الأعمال، ولتجار الحرام في كل شيء، وثالثاً، أن القرار يجب تقديمه وكذلك الجهة التي اتخذته للمحكمة الدولية، باعتباره مناقضاً لها، حيث كل العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، يعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وحتى إسرائيل، لا يمكنها أن تنكر هذا الأمر، ووافقت عام 1993، في إعلان المبادئ، على مناقشة ملف القدس كأحد ملفات الوضع النهائي.
إذن يمكن أن تتحرك السلطة الفلسطينية على النطاق القانوني الدولي لنقض قرار الكونغرس الأميركي، الذي بات منذ العام 1995 بمثابة سيف سياسي يضعه البيت الأبيض، على الرقبة الفلسطينية لابتزازها، مع أن الإسرائيليين قبل الأميركان يخشون من العواقب الوخيمة لتنفيذ القرار، الذي يبدو أن مهمته كانت وما زالت منذ اثنين وعشرين عاما، هي ابتزاز الجانب الفلسطيني سياسيا، لدرجة أن بنيامين نتنياهو نفسه، هو من نصح دونالد ترامب قبل ستة أشهر بتعطيل القرار، على غرار من سبقه من رؤساء، تجنبا لانفجار الأوضاع داخل الأرض الفلسطينية المحتلة.
أما لماذا كل هذا اللغط في عهد ترامب، والذي لم نشهد مثيله في عهد الرؤساء الثلاثة الذين سبقوه، فلهذا أسبابه العامة والخاصة، منها، أن الظروف الدولية خاصة الإقليمية قد تغيرت، فمنذ العام 1995 وحتى العام 2011، كان هنالك ضغط فلسطيني وعربي/إقليمي، ولم تكن إسرائيل قد احتوت الموقف الفلسطيني بعد مواجهة العام 2000، لكن الحال تغيرت منذ العام 2011 وفتح ملفات إقليمية عديدة، كان من شأنها، أن عطلت أولاً قدرة بعض الدول العربية على التأثير الإقليمي لصالح القضية الفلسطينية، وثانياً شغلت الدنيا كلها عن الشأن الفلسطيني.
وهكذا فإن إسرائيل نفسها، لم تعد بحاجة للعبة التفاوض، لتهدئة الأوضاع من حولها، فكان أن أوفقتها في نيسان العام 2014، بل وأغلقت الأبواب في وجهها لاحقا، حتى اللحظة، أما الظروف الخاصة فهي وجود رئيس جمهوري دخل البيت الأبيض "بحماره" كما يقولون، أي أنه كان قد تورط بإعلان استعداده لفعل ما لم يفعله رئيس ممن سبقوه، ليس الرؤساء الثلاثة المشار إليهم أعلاه وحسب، بل كل الرؤساء الأميركيين منذ ليندون جونسون، أي منذ العام 1967 وحتى الآن.
وهو رئيس مثير للريبة، يبدو متخبطاً، ولا يظهر لا حنكة سياسية ولا اتزانا سياسيا، وأكثر من ذلك، هو قريب جدا من اليهودية المتزمتة، حيث أن صهره، ومن ثم ابنته، اللذين يلعبان دوراً مهماً في رسم سياسته الخارجية، إنما هو يهودي، منحاز لإسرائيل جداً، كما هو حال سفيره في تل أبيب، الذي يقترب جداً من مواقف اليمين المتطرف ومواقف المستوطنين، خاصة تجاه قضيتي الاستيطان والقدس.
وهما قضيتا احتلال أصلاً، أي تفتقدان لأي سند أخلاقي أو قانوني، وإظهار أي تعاطف مع هاتين القضيتين تجاه الموقف الإسرائيلي الرسمي، يعني أن الجانب الأميركي يظهر كما لو كان جزءا من الخارطة السياسية الداخلية لإسرائيل، أو أنه لا يمثل دولة أخرى، فضلاً عن الموقف العالمي.
بقدر ما يبدو أن قرار الكونغرس الأميركي تم توظيفه واستخدامه طوال الأعوام السابقة لابتزاز الجانب الفلسطيني، فإنه أيضاً يبدو أنه يتم ابتزاز البيت الأبيض نفسه، من قبل إسرائيل، بهذا القرار، فحتى يوافق رئيس الحكومة الإسرائيلية، أو يتقدم بنفسه بالطلب من الرئيس الأميركي بتعطيل القرار، فلا بد من مقابل لذلك، علماً أن هذا لا يحدث مرة واحدة فقط، بل كل ستة شهور.
بقي أن نقول: إنه وقبل الموعد الدوري لمراجعة تنفيذ القرار من قبل الرئيس الأميركي، لوحت الخارجية الأميركية بنيتها إغلاق مكتب "م.ت.ف" في واشنطن، لتزداد نسبة ترجيحنا، بأن واشنطن تمارس الضغط على القيادة الفلسطينية، من أجل أن تكون جاهزة لقبول "صفقة القرن" الملتبسة، والتي لم تعلن بنودها بعد، بل عدمت إلى تسريب المعلومات حولها، لخلق رأي عام لدينا يقبل بها.
ما لا بد من قوله أخيراً: إنه وكما كانت السلطة قد أعلنت أنها ستعامل واشنطن بالمثل في حال اتخذت خارجيتها قرارها بإغلاق مكتب "م.ت.ف" الذي هو بمثابة سفارة فلسطين في واشنطن، فإنه لا بد من الإعلان وبشكل رسمي، أن أي سفارة أجنبية يتم نقلها من تل أبيب إلى القدس سيتم التعامل معها على أنها "أثر" احتلالي، مستهدف، أياً كان صاحبه، وأن قيام واشنطن بالتحديد بهذا العمل يخرجها من رعاية العملية السياسية ويطلق العنان للمقاومة.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق