«هآرتس»الكونفيدرالية بين إسرائيل وفلسطين.. حلّ كارثي

10 فبراير 2019 - 09:37
صوت فتح الإخباري:

بقلم: شاؤول اريئيلي
في السنوات الأخيرة نشهد افكاراً مختلفة لتسوية النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين، لا ترتكز على حل الدولتين لشعبين: فيدرالية وكونفيدرالية. نمو هذه الافكار يحرك فرضيتين اساسيتين. الاولى، البلبلة النسبية التي يعيش فيها السكان بشأن جدوى حل الدولتين. حسب رأي من يؤيدون هذه الحلول فان حل الدولتين قضي عليه نهائيا بسبب مشروع الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية، ولأنه ليس بقدرة اسرائيل اخلاء الـ 30 ألف عائلة تعيش في المستوطنات المعزولة واستيعابهم في اسرائيل. الثانية، حل الدولتين لا يمكنه أن يؤدي الى انهاء النزاع بسبب علاقة كل طرف بكل «ارض اسرائيل»، وبسبب الحاجة والحق لكل طرف الى التحرك والاستيطان فيها جميعها.
في مقالات سابقة قمت بنشرها هنا، تم تفنيد الافتراض الاول عن طريق طرح منهجي للجدوى المكانية – المادية لحل الدولتين، في سيناريو تبادل اراض بحجم 4 في المئة. سيناريو اتفاق كهذا يمكن من ابقاء 80 في المئة من الاسرائيليين، الذين يعيشون خلف الخط الاخضر، تحت السيادة الاسرائيلية، مع اضرار معقول ومحتمل في ثلاثة مجالات: التواصل ونسيج الحياة لقرى فلسطينية ستفقد جزءا من اراضيها، ونسيج الحياة لمستوطنات في اسرائيل، سينقل جزء من اراضيها الى فلسطين في المقابل، ونسيج حياة المستوطنين الذين لن يتم شملهم في تبادل الاراضي، وسيضطرون الى ان يتم استيعابهم مجددا في اسرائيل.
التعامل مع اخلاء واستيعاب 30 ألف عائلة تقتضي استعدادا وطنيا، مثلما قالت في 2010 لجنة التحقيق الرسمية للانفصال، برئاسة القاضي الياهو متسا: «العبرة الاكثر اهمية للجنة التحقيق هي أن تأمر رئيس الحكومة بوضع خطة وطنية شاملة اليوم لاخلاء محتمل لـ 100 ألف اسرائيلي من الضفة الغربية من اجل تقليل الصدمة الشخصية والجماعية والوطنية، ومن اجل توفير التكاليف ومن اجل استيعاب اشخاص بصورة مسؤولة ورسمية وصحيحة، كما استوعبت هذه الدولة مليون مهاجر في التسعينيات».
في هذا السياق يجب على اسرائيل الاستعداد بصورة فعلية لاحتمالين: توفير اماكن العمل والسكن. في هذا السيناريو في مرحلة الاخلاء يجب على اسرائيل خلق 20 ألف مكان عمل جديد خلال خمس سنوات (يجب التذكر بأن 60 في المئة من قوة العمل الاسرائيلية في «يهودا» و»السامرة» تعمل داخل اسرائيل)، هذا تحد هامشي لأنهم اليوم في اسرائيل ينتجون كل سنة اكثر من 80 ألف مكان عمل جديد.
اربعة أبحاث معمقة تمت في السنوات الاخيرة للعثور على امكانية السكن في اسرائيل وجدت أنه يوجد امكانية كامنة لتحقيق 100 ألف وحدة سكنية خلال ثلاث سنوات في المناطق المناسبة للاسرائيليين الذين سيتم اخلاؤهم. علينا التأكيد أنه، حتى الآن لا توجد جدوى سياسية لتحقيق سيناريو اتفاق كهذا، سواء بسبب الانقسام الفلسطيني أو بسبب الموقف المبدئي لحكومة اسرائيل كما وصفه جون كيري، وزير الخارجية الاميركي السابق، في تشرين الثاني 2017 في دبي: «معظم اعضاء (الكابنت) في حكومة اسرائيل الحالية أعلنوا انهم لن يكونوا في أي يوم مع اقامة دولة فلسطينية». مع ذلك، عدم الجدوى السياسية لحل الدولتين لا يحول فكرة الفيدرالية أو الكونفيدرالية الى افكار قابلة للتطبيق. إن تطبيق هذه الافكار سيكون شبيها بمحاولة اخماد النار بوساطة برميل بنزين.
بسبب حقيقة أنه لا أحد من اصحاب افكار الفيدرالية والكونفيدرالية كلف نفسه عناء نشر خطة مفصلة يمكن فحصها بمعايير قومية – حتى الآن نشرت فقط مبادئ عامة – لا يمكن تناول الفروق بين الافكار المختلفة التي طرحت.
في كل احتمالية للفيدرالية والكونفيدرالية يجب التناقش مع مستويات كثيرة، امنية، سياسية، تاريخية، فكرية، دينية، اجتماعية وغير ذلك. ولأن المجال ضيق للتفصيل، سأركز على المستوى الاقتصادي – الاجتماعي من أجل فحص هل يمكن الامتناع عن تقسيم سياسي كامل بين المجتمعين، ومن وجود حدود بينهما تتم مراقبتها بواسطة حاجز مادي.
اولا، سنستعين بالمؤشر الاجتماعي – الاقتصادي للبلدات في اسرائيل، الذي نشره، مؤخراً، مكتب الاحصاء المركزي على فرض أن الحدود بين الكيانين السياسيين سيمر بخطوط 1967، باستثناء الاحياء اليهودية في القدس الشرقية، بالنسبة لـ»الدولة اليهودية» نحصل على صورة حزينة نشاهدها اليوم. في الثلث الاسفل (العناقيد من 1 الى 3) موجود 9 في المئة من الـ 170 سلطة محلية يهودية، التي فيها يعيش 16 في المئة من المواطنين اليهود. في المقابل، في الثلث هذا يوجد 82 في المئة من الـ 85 سلطة محلية عربية، مع ما لا يقل عن 89 في المئة من المواطنين العرب. بكلمات اخرى، الدولة متقاطبة اقتصاديا حسب الانتماء القومي.
في «الدولة العربية» نحصل على صورة عكسية من ناحية الارقام. ولكنها تتشابه من ناحية القطبية والفجوات لصالح اليهود. كل السكان العرب في الضفة وغزة (5 ملايين نسمة) ممن يعيشون في ألف بلدة تتوافق مع المعطيات الموجودة في اسفل العنقود 1 – الذي يصنف فيه فقط 120 الف يهودي (في موديعين عيليت وبيتار عيليت)، التي هي فقط 29 في المئة من السكان اليهود في «يهودا» و»السامرة».
ثانيا، سنتطرق الى المعطيات الاقتصادية (في 2016)، الناتج القومي الاجمالي السنوي للفرد في اسرائيل هو 38 ألف دولار، في حينه أنه في «المناطق» 3 آلاف دولار فقط. الاستهلاك للفرد في اسرائيل هو 32 ألف شيكل سنويا، وفي «المناطق» هو أقل من 4 آلاف شيكل. في اسرائيل تقريبا لا توجد بطالة، 4 في المئة فقط. في حين أن البطالة في «المناطق» هي تقريبا 30 في المئة. الاجر اليومي المتوسط في اسرائيل هو 470 شيكلا، في حين أنه في «المناطق» 110 شواكل.
ثالثا، سنقوم بفحص البنى الوطنية. في «الدولة اليهودية» توجد كل المطارات والموانئ (باستثناء ميناء الصيادين في غزة). كل محطات توليد الكهرباء، كل منشآت التحلية والناقل القطري، كل السكك الحديدية وكل الشوارع السريعة (باستثناء شارع 60 وشارع 5 وشارع 443)، كل المفاعلات النووية، كل المناطق الصناعية، كل المراكز التجارية الدولية. أي، من يؤيدون فكرة الفيدرالية والكونفيدرالية يرون في احلامهم مجتمعا عربيا يضم ملايين الفقراء – يحظون بحرية الحركة في كل البلاد، حتى لو بصورة تدريجية، ويعيشون بسلام بدون احتكاك مع المجتمع اليهودي الاكثر ثراء منه بعشرة اضعاف.
إن تأثير واقع كهذا على التكنولوجيا والصناعة في الاقتصاد الاسرائيلي سيكون مدمرا، والى كل زاوية ومفترق طرق ستعود «اسواق العبيد». لشرطة اسرائيل لا يوجد امكانية لمواجهة حجم مخالفات الممتلكات والمخدرات المتوقعة، حتى لو ضاعفت بثلاثة اضعاف قوتها البشرية. وسنحظى برؤية انشاء «غيتوات» تحيطها اسوار ومحمية من قبل شركات حماية خاصة. مواجهات بين عصابات متطرفة من الطرفين سيتم تحويلها الى مشاهد منتشرة. وسيضاف اليهم دوريات الحشمة، التي تحافظ على النقاء العرقي وما أشبه، والتي ستدهور الوضع الى درجة حرب اهلية. «الدولة العربية» التي ستقام في الضفة وفي القطاع مع عاصمة في شرقي القدس أو ستكون جزءا من كونفيدرالية مع الأردن بدعم عربي ودولي، سيكون لها احتمال اكبر لبناء اقتصادها وايجاد دولة مستقرة الى جانب اسرائيل، من دولة سكانها يستخدمون كـ «حطابين وسقائين» لصالح الدولة اليهودية.
إذا كان هذا غير كاف، هناك اشكالية كبيرة في طريقة استيعاب اللاجئين المقترحة من قبل من يؤيدون الفيدرالية أو الكونفيدرالية. هناك من يرون اللاجئين يستوعبون في الدولة العربية فقط، لكن هناك من يعتقدون أنه من العدل أن يستوعب في اسرائيل عدد من اللاجئين يوازي عدد الاسرائيليين الذين سيختارون العيش في الدولة العربية. بهذه الروحية وحسب معطيات اليوم، اذا كان كل اليهود في «يهودا» و»السامرة» سيختارون العيش في الدولة العربية فان اسرائيل سيكون عليها استيعاب اقل بقليل من 4 آلاف لاجئ في حدودها، أي، من يخاف من استيعاب 100 الف اسرائيلي، المرتبطين بنسيج الحياة في اسرائيل، سيضطر الى استيعاب اربعة اضعاف اللاجئين من لبنان وسورية. وكما هو متوقع فإذا كان معظم اليهود (وخصوصا المتدينين والعلمانيين الذين يشكلون 70 في المئة من اجمالي السكان اليهود في المناطق) سيفضلون الانتقال الى الدولة اليهودية، فان تطبيق فكرة الفيدرالية أو الكونفيدرالية سيكون بمثابة ذروة الغباء من جانب اسرائيل بسبب فقدان المنفعة الرئيسية التي كان يمكن تحقيقها من فكرة الكونفيدرالية بالامتناع عن اخلاء عدد كبير من المستوطنين.
قيادة تنقصها المسؤولية الوطنية المطلوبة من اجل اعادة توطين اقل من 1.5 في المئة من السكان اليهود في «ارض اسرائيل» – بما في ذلك استخدام قانوني للقوة اذا احتاج الامر – وبهذا ضمان مستقبل دولة اسرائيل كديمقراطية ذات اغلبية يهودية في حدود آمنة، وعضوة في الأسرة الدولية، لا تستطيع أن تتعامل مع التحديات الاكبر بعشرة اضعاف والمرتبطة بتحقيق فكرة الفيدرالية أو الكونفيدرالية وسيقود في نهاية الامر الى دولة عربية.
تطبيق حل الدولتين لشعبين، الذي يجب أن يشمل عددا من المكونات الكونفيدرالية، مثلا، في الحوض التاريخي في القدس، لن يكون سهلا ويقتضي تعاون الطرفين، كذلك العالم العربي والمجتمع الدولي – لكن هذا هو الحل الوحيد الممكن، لا يوجد بديل قابل للعيش للنتيجة التي وصلت اليها لجنة التقسيم في العام 1947، الامر الوحيد الذي يجب تحديثه هو معطيات السكان: «الفرضية الاساسية التي تقف من وراء اقتراح التقسيم هي أن المطالبة بفلسطين، سواء من قبل العرب أو من قبل اليهود، هي ذات صلاحية وليس بالامكان حلهما معا. من بين كل الاقتراحات التي طرحت، التقسيم هو الاكثر عملية، وهو الذي سيمكن من توفير جزء من المطالب والتطلعات القومية للطرفين. يوجد اليوم في فلسطين 650 ألف يهودي (الآن يوجد 6.5 مليون يهودي)، و1.5 مليون عربي (الآن 7 ملايين) يختلفون عن بعضهما في طبيعة حياتهم وفي مصالحهم السياسية... فقط عن طريق التقسيم يمكن لهذين التطلعين القوميين المتعارضين أن يتم التعبير عنهما حقا، وتمكين الشعبين من أخذ مكانهما كأمتين مستقلتين داخل المجتمع الدولي وفي الأمم المتحدة».

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق