تآكل الهيمنة لامريكية وانهيار سطوتها

12 يناير 2019 - 08:56
صالح عوض
صوت فتح الإخباري:

أمريكا تدعو العالم الى مؤتمر ضد ايران فهل تنجح؟
فهل هو ضد ايران ام انه يريد شيا اخر.؟ فهل هو ما حملته جولة وزير الخارجية الامريكية
مؤتمر يدعو الى الاستقرار في الشرق الاوسط فاي استقرار يريدون؟ لايختلف اثنان على تقدير الموقف الامريكي داخليا وخارجيا بانه يمر بمرحلة من عدم الثقة وارتباك في الاداء يمثل خطورة حقيقية على طبيعة الامبراطورية الامريكية ومكتسابتها الاستراتيجية..
امريكا في ازمتها الداخلية والخارجية تحاول تحريك اداوتها في العالم لاثبات حضورها السياسي والاستراتيجي مجددا بعد تلقيها ضربات حقيقية في اكثر من مكان لاسيما سورية اخيرا..وتريد ان تضع ضمانات استقرار اسرائيل وامنها.
اميركا حاولت تحشيد بعض الدول العربية ضد ايران ففشلت مهمة الجنرال زيني مثالا.
اميركا الان تحشد عشرات دول العالم بالاضافة لدول الخليج في وارسو فهل تنجح؟
اميركا لن تستطيع حشد اوربا المختلفة معه بخصوص الملف النووي الايراني ولكن ستحشد الدول الاوربية الضعيفة بالاضافة للدول العربية الحليفة واسرائيل.

بوضوح نقول ان ادراة ترمب لا تملك شيئا تعمله ضد ايران فلقد فعلت كل ما تستطيع وجربت كل الوسائل فما هو الهدف الحقيقي اذن؟ انها ستصنع مؤتمرا يطبع مع اسرائيل وايجاد صيغ دولية لتكريس الاعتراف والتطبيع مع اسرائيل من قبل الدول العربية.. انه مؤتمر لصالح امن واستقرار اسرائيل كما انه سيجدد العقوبات على ايران ومحاولة التحريك داخل ايران وداخل الدول العربية مثل لبنان ضد المقاومة اللبنانية..يمعنى ان المؤتمر انما هو فقط لصالح اسرائيل وتوفير الشروط لذلك ومن هذه الشروط محاولة تحجيم قوة ايران وارباكها..فهل تستطيع؟ لعل ذلك أصبح املا تم تجاوزه فعجلة الحياة تسير الى الامام.
في محاولة لرصد الظواهر السياسية وخط سير الادارة الامريكية الاستراتيجي في جملة قضايا الكون يدرك المرء ان هناك انحدارا واضحا ما بعد القمة التي بلغتها الادارة الامريكية عشية انهيار الكتلة الاشتراكية في 1989.. أحس صانع القرار الامريكي بان الصراع الخطير انتهى لصالح الامبريالية الامريكية فبلغ الاحساس بالزهو مبلغه لتندفع القوات الامريكية في ان واحد لاحتلال بلدين مسلمين افغانستان والعراق بقوة طاغية.. وبعد مايقارب 30 عاما نتساءل ماذا جنت الولايات المتحدة الامريكية؟ اي خرائط استطاعت تغييرها؟ هل استطاعت الحفاظ على تلك اللحظة التاريخية في تفردها على صعيد الكون؟!!

لم يتوقع واضعو الإستراتيجية الأمريكية في المشرق العربي ان انهيارات مريعة ستلحق بهم في سنوات قليلة رغم كل الأجواء المساعِدة للهجوم الأمريكي وعنفه على الأمة، فبعد ان اقتحمت الجيوش الأمريكية بغداد واستطاعت توجيه ضربة عنيفة الى أقوى الجيوش العربية.. فما كان العراق- كما وصفه لها العملاء والأدلاء والحلفاء - سهلا بل كان العراق منذ اللحظة الأولى ثورة ومقاومة قل نظيرها كما وصف جنرالات الاحتلال الأمريكي حيث بلغ معدل الأعمال العسكرية أكثر من ألف عمل يوميا حول العراق جحيما للجيوش الأمريكية.. 

وبعد ان وضعت الحرب أوزارها أو كادت بدأ المخطط الأمريكي مستغلا تحرك الشعوب من اجل مزيد من الحرية وتحسين شروط المعيشة وإصلاح النظام السياسي في بعض البلدان العربية ودست المخابرات الأمريكية بأساليبها لتحطيم الدولة العربية وتوزيعها على اثنياتها القومية والثقافية وحركت لانجاز مهماتها القذرة طوابير من العملاء في مواقع مختلفة من المسئولية وظنت الإدارة الأمريكية أنها بذلك ستحقق هدفين متكاملين الأول تدمير الدولة العربية وتشتيت الناس على إثنياتهم من وإغراقهم في بؤسهم واحترابهم المتوالي هذا من جهة، وتسهيل عملية نهب المواد الخام وثروات الأمة بلا رقيب او حسيب.. كما يتم انجاز الهدف الاستراتيجي في استقرار اسرائيل وامنها وتفوقها على منطقة مهشمة.

جاء ترمب على نهاية المرحلة متفاجئا ان الإدارة الأمريكية أنفقت على هذه الحروب أكثر من 7 تريليون دولار (7 آلاف مليار دولار) الأمر الذي ألحق بالخزينة الأمريكية عجزا متفاقما وألحق بالمؤسسات المالية أضرارا بالغة نتج عنها ما كاد يشبه الكساد العظيم اذ اتجهت كثير من البنوك إلى الإغلاق بعد ان أعلنت إفلاسها وكذلك كان حال شركات العقار في ظل ارتفاع قيمة الضرائب على المواطن الأمريكي.

وقف ترمب وهو من طبقة الاقتصاديين المعتمدين البنوك والعقارات ليقول بوضوح ان الادارات الأمريكية السابقة لم تكن تدافع عن مصالح الولايات المتحدة إنما عن مصالح قطاعاتها الاقتصادية "المجمع الصناعي الحربي الأمريكي وشركات النفط".. وأعلن ترمب ان أمامه هدفا محددا وهو إزاحة الديون عن الخزينة الأمريكية عن طريق آخر غير ذلك المعتمِد على ارتفاع قيمة الضريبة وتساءل بوضوح: “كيف يمكن ان نقوم بأعمال حربية للدفاع عن دول الخليج العربي ونستعيد الكويت من صدام حسين ونعطي الكويت للكويتيين؟ لقد كان من المفترض ان نحصل على 50 بالمائة من نفط الكويت لمدة خمسين عاما”."كيف ندافع عن السعودية ولا نأخذ ما نستحق لما نقوم به"

هنا أصبحت الإستراتيجية الأمريكية تسير بنحو مختلف تماما حيث أصبح استرداد الخسارة أهم هدف أمام القيادة الأمريكية الحالية فوقّعت الصفقات الضخمة مع السعودية وقطر وسواهما تحت سطوة التهديد بالملاحقة والعقاب (قانون جاستا) ووجدت ضرورة الخروج من ملفات الاشتباك الذي سيلحق بها خسائر مادية فادحة كما هو الملف السوري حيث لم تجد المناورة كثيرا في التعامل مع الروس بتحديد خطوط حمر للتحرك الروسي الذي دخل في الملف السوري بناء على تفاهمات عميقة مع كل الأطراف.. انسحبت الإدارة الأمريكية من الملف السوري شيئا فشيئا لم تدافع عن الأكراد ولم تدافع عن قوات المسلحين الحليفة لها في الجنوب ولم تهتم كثيرا بالمجموعات المسلحة في شرق الفرات تاركة أمرها لأقدارها التعيسة او لحلفائها في المنطقة تركيا التي باشرت معالجة الملف الكردي.. وطالبت الولايات المتحدة دولا عربية بدفع أربعة مليارات دولار لدعم المجموعات المسلحة الموزعة في شرق الفرات والتنف.

لقد أصبح واضحا تماما ان الإدارة الأمريكية تنسحب شيئا فشيئا من الملف السوري مع كل ما فيه من مغريات ليس أهمها النفط والغاز الذي تم الكشف عنه في سواحل سوريا ولكنها انسحبت مع محاولة دفع السوريين الى الالتزام باشتراطات سياسية وتكوينية عديدة أهمها التخلي عن دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية وعدم السماح ان تكون سورية موئلا للمقاومتين وعزل سورية عن ايران.. فلم تنس الإدارة الأمريكية ولا الكيان الصهيوني ان الأرض السورية كانت تختزن قواعد المقاومة الفلسطينية بشتى عناوينها وان سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي فتح بلاده لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية واللبنانية فيما تخاذل او جبن او تآمر آخرون عليها واتهموها بانها “حركات إرهابية”.

اجل، وجهت الإدارة الأمريكية من خلال أدواتها في المنطقة ضربات عنيفة للدولة السورية وأنزلت فيها مواجعَ من الصعب البرء منها وكادت البلد تصبح عشرات الدويلات في كل جزء منها راية وعلى كل راية أمير وزعيم.. وفي إطار الحسابات الإستراتيجية الكبرى جاء تدخل الروس إدراكا منهم بان الدفاع عن وحدة الأرض السورية والدولة السورية إنما هو دفاع عن مستقبل روسيا الذي تحاول الادارات الغربية إغراقه في الفقر والتفتت بتحطيم تفرد الروس بالغاز المورد لأوربا.. ومن العبث تصور ان الروس جاءوا لدعم الدولة السورية وفقط فمثل هذا الكلام لا يقول به الا السذج من الناس.. وأيضا لابد من الانتباه إلى ان روسيا لا تخلّ بالتزامها بوجود “دولة إسرائيل” فالروس اول من اعترف بإسرائيل وان كانت روسيا تدعو لحل الدولتين وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة والضفة الغربية والجولان الا انها لا تسمح بتجاوز ذلك ابدا ويمكن الإشارة إلى ان الروس أكثر ضامنين لوجود إسرائيل في حين يمكن القول ان الغربيين هم أكثر الضامنين لدور إسرائيل في المنطقة والإقليم.

يمسك الروس الآن بعنق كل الملفات الإقليمية بعد إن فرضوا ضغطا عسكريا سياسيا كبيرا على الأتراك بعد حادثة الطائرة الروسية، واستطاع الروس إدارة علاقة مع الأتراك تستطيع تحييد قوة الأتراك إلى حد بعيد الأمر الذي يقابله تخبط في إدارة أمريكا لعلاقاتها بتركيا.. بل ووصل امر الروس ان يوقعوا صفقات سلاح متطور مع قطر لإحداث توازن مع السعودية ويوقعوا اتفاقيات بخمسين مليار دولار مع ايران للاستثمار فيها ردا على محاولة امريكا محاصرة ايران.

صحيح ان ترمب غير تقليدي في سياساته وقراراته وهذا يعطيه قدرة كشف حجم قوة الخصم ويعري المنتفخين بأوداجهم على شعوبهم ويُظهرهم على حقيقتهم، الا انه أيضا في ظل صراعات دولية تحتاج الى كثير من التكتم على الأهداف الحقيقية يبدو وكأنه يفضح الولايات المتحدة الأمريكية كما قال وزير الخارجية الأمريكية السابق “ّكيري” مؤخرا.

إن العراق يستعيد عافيته رغم بقايا الجروح والدمامل، وسورية تسير نحو لأم جراحها واستعادة أطرافها بعد ان استفادت من تحالفاتها الإقليمية والدولية في التصدي لأعتى موجة مسلحة عابرة للقارات والدول.. وايران حققت حضورا اساسيا في الاقليم واصبحت دولة من الصعب تجاوزها اذا ما اريد الحديث في ترتيبات استراتيجية في المنطقة ففي حين تحدث تقدما لها ولاصدقائها في المنطقة وانتصار سورية اكبر مثال تواجه امريكا خسارات كبيرة في المنططقة وانهيار حلفائها..وفي فلسطين مقاومة شعبية ترى في الإدارة الأمريكية أسّ البلاء وأنها هي من يواجه الشعب الفلسطيني على الأرض.. وهنا مربط الفرس حيث تمتد روح المقاومة والرفض في الشعوب العربية والأحرار في العالم لإسقاط النموذج الأمريكي.. تولانا الله برحمته.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق