"هآرتس"الصهيونية بدأت مغازلة «اللاسامية» منذ أيام هرتسل

11 ديسمبر 2018 - 08:10
صوت فتح الإخباري:

بقلم: آفي شيلون
الزيارة المتوقعة لوزير الداخلية الإيطالي، ماثيو سلفيني، من حزب اليمين الراديكالي "لاجا" المعروف أيضاً بعلاقته المتشددة نحو اللاجئين (مؤخراً منع سفينة طالبي لجوء، على متنها أطفال ونساء، من الرسو)، ستثير النقاش من جديد حول العلاقة المتعززة بين إسرائيل وحكومات اليمين في أوروبا وخارجها. هذه العلاقات التي تطورها إسرائيل تثير مسألة تافهة تتعلق بالمسافة بين السياسة الواقعية والدبلوماسية الأخلاقية.
من المفهوم ضمناً أن إسرائيل – التي توجد كما يقول بنيامين نتنياهو وبحق، في إحدى فتراتها الجيدة من ناحية العلاقات الخارجية – لا يمكنها اختيار أصدقائها بحرص. بالأحرى في الوقت الذي أيضاً بالعالم الغربي حكومات كثيرة تتميز بخط مناهض لليبرالية. من جهة أخرى، من المفهوم أنه يوجد أيضاً حدود للمصالح السياسية، وأن الوصمة التي التصقت بإسرائيل بسبب علاقتها مع نظام "الأبارتهايد" في جنوب إفريقيا هي مثال على ذلك.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن سياسة إسرائيل الخارجية في الأساس امتنعت عن إقامة علاقات مع جنوب إفريقيا بسبب عنصرية النظام. وإسرائيل كانت من الدول الغربية المعدودة التي أيدت فرض المقاطعة عليها في العام 1961. العزلة السياسية التي فرضت على إسرائيل في أعقاب حرب "يوم الغفران" هي التي حرفت الطريق نحو التعاون الذي عرضه نظام الأبارتهايد. يجب علينا معرفة إلى أي درجة مسألة الأخلاق والسياسة الواقعية هي نسبية وتؤثر الواحدة في الأخرى.
يوجد لإسرائيل اليوم علاقات ممتازة حتى مع حكومات (مثل بولندا، هنغاريا، النمسا) التي تدمج  خصائص – تتناقض ظاهرياً – مقاربة لاسامية مع تأييد الدولة اليهودية. كيف يمكن حل هذا التناقض؟ أحد الأسباب، أن مفهوم "اللاسامية" يحمل في طياته أيضاً كراهية للعرب، لأنه في أعقاب الهجرة الإسلامية يمثل العرب في أوروبا بدرجة كبيرة ما مثله فيها اليهود. سبب آخر يرتبط بنجاح الصهيونية، أو ثمارها العفنة، حيث إن الفصل بين اليهودي الجديد واليهودي القديم الذي يعيش في الشتات كان يقف في أساس الصهيونية. زئيف جابوتنسكي لخص هذه الرؤية عندما أكد: "سنمحو تماماً من هذه الشخصية (شخصية اليهودي) كل الصفات النموذجية جداً في شخصية اليهودي "الجيبي" الذي يعيش في شرق أوروبا، وسندخل إليها كل الصفات التي غيابها هو مميز جداً بالنسبة له لأن اليهودي "الجيبي" قبيح وعلماني، وسنمنح لشخصيته مثالية العبري الجميل والبطولي". المفارقة التاريخية هي أنه بالتحديد نجاح هذا الحلم الذي طلب الفصل بين العبري واليهودي، يساعد على فهم الطبيعة التي فيها تشجيع إسرائيل يسير يداً بيد مع الاشمئزاز من اليهود.
إن الدمج بين "تأييد" إسرائيل والنغمة اللاسامية يرتبط أيضاً بالثيولوجية المسيحية التي تقول: إن الكنيسة هي شعب إسرائيل الحقيقي، الذي حل محل اليهود الخاطئين الذين يستحقون الكراهية لأنهم تسببوا بقتل المسيح. من ناحية أخرى، حقيقة أن الأقسام البروتستانتية للمسيحية، يقدرون بالأساس التوراة والعهد الجديد اللذين يوصف بهما شعب إسرائيل بصورة إيجابية، ساهمت أيضاً في موقف مسيحي محب للسامية. هكذا، في العالم المسيحي هناك حدود غير واضحة بين اللاسامية ومحبة السامية، التي تبرز أساساً في أوساط الإفنغلستيين الذين يؤيدون إسرائيل. هؤلاء يعملون لصالح إسرائيل، لكن من خلال السعي لتسريع مجيء المسيح، حرب يأجوج ومأجوج، التي في نهايتها سيأتي المسيح، وسيكون على اليهود حينها التنصر أو الموت.
كيف يمكن فهم الإفنغلستيين كظاهرة محبة للسامية أو مناهضة للسامية أو كليهما معاً؟ مناحيم بيغن، الذي في عهده بدأت تتراكم العلاقة مع الإفنغلستيين، اقترح الانتظار مع حل المسألة حتى قدوم المسيح، وحتى ذلك الحين أن نحظى بدعمهم. وحكومة نتنياهو تواصل طريق بيغن في هذا الشأن.
ولكن من الخطأ التعامل مع المسألة فقط في سياق اليمين الصهيوني. فعلياً، المغازلة الصهيونية لجهات لاسامية وسلبية بدأت منذ عهد هرتسل. فهو قدر أن أصحاب الرأي اللاسامي سيساعدون في تحقيق حلمه بسبب رغبتهم في إبعاد اليهود من دولهم، وهو أراد استغلال إيمانهم بـ "القوة اليهودية" التي تسيطر كما يبدو في العالم. هكذا مثلاً في أعقاب أعمال القتل التي نفذها الأتراك ضد الأرمن في نهاية القرن التاسع عشر، تعهد للسلطان بالعمل على تحسين صورة تركيا في الصحف الأوروبية التي كان يسيطر عليها أرباب المال اليهود. بهذا أمل هرتسل بتجنيد السلطان لدعم الصهيونية. حتى صهيوني ليبرالي مثل حاييم وايزمان التقى عدة مرات مع موسوليني الفاشي، قبل انضمامه للنازيين، من أجل تجنيده لدعم الصهاينة. من الجهة الأخرى، من المعروف محاولة قائد الليحي، أبراهام شتيرن، عقد حلف مع النازيين ضد بريطانيا التي وصفها كعدوة للمشروع القومي.
العلاقات التي تراكمها الحكومة الآن مع حكومات يمينية، رغم مواقفها اللاسامية، ترتبط أيضاً برؤية محافظة مشتركة. ولكن من المهم أن نعترف بأن الربط بين الصهاينة واللاساميين لم ينشأ في زمن نتنياهو، بل نبع أيضاً من أن الصهيونية كانت حركة هامشية في العالم، بحثت عن تحالفات تحت ضوء الشمعة. ويجب الاعتراف أيضاً بأن الظاهرة الأوروبية الجديدة كما يبدو لحكومات تدمج بين دوافع لاسامية وتأييد إسرائيل مرتبطة بعلاقة ثيولوجية وتاريخية عميقة، وليست مرتبطة فقط بما يسمى "أزمة الليبرالية".

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق