«معاريف»حان الوقت للبحث عن «بدائل» لـ«حل الدولتين»

01 ديسمبر 2018 - 08:41
صوت فتح الإخباري:

بقلم: ايلي بن مئير*
نشر معهد بحوث الأمن القومي، مؤخرا، كراسا بعنوان «نأخذ المبادرة، نصمم الواقع – مخطط عمل استراتيجي للساحة الاسرائيلية – الفلسطينية». ورافق النشر موقف واسع من مسؤولي المعهد في وسائل الاعلام وفي المقابلات الصحافية، وقيل ان الخطة عرضت على رئيس الوزراء ومسؤولين آخرين. من المعقول أنها رفعت ايضا الى مسؤولين في الخارج، بمن فيهم فريق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يعمل على «صفقة القرن».
أولا، ينبغي ان نهنئ رجال المعهد ورئيسه، قائدي السابق اللواء احتياط عاموس يدلين، على العمل النوعي والشامل الذي في إطاره نفذ فريق من رجال مهنيين، بالتعاون مع مسؤولين سابقين في القيادة العسكرية والسياسية (من المشوق أن نعرف اذا كان هناك ايضا يمينيون)، اجراء طويلا ومرتبا لفحص البدائل لمسألة النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. من الواضح ان الفريق اجرى فحصا جذريا وفحص جملة طرق عمل على المستوى الامني، المدني، الاقتصادي، والدولي كي يعد مخطط عمل يكون أداة عمل للسياسيين الاسرائيليين.
ثانيا، آمل أن يكون المواطنون والسياسيون قد اطلعوا على الوثيقة، إذ ان فيها بضع أفكار – وان لم تكن بالضرورة جديدة – تستوجب تفكيرا وموقفا، ومن الصواب في نظري أن تدرج في الاستراتيجية الاسرائيلية.
هكذا، مثلا، من الصواب التشديد على أقوال كاتبي الوثيقة حول فشل المنظومة الفكرية للمفاوضات على الاتفاق الدائم. فمحاولة الوصول الى حل واحد وشامل أفشل معظم الجهود حتى الآن – ومن هنا أهمية النماذج في كل مفاوضات على الاتفاق. فحل مشكلة القدس، اللاجئين، والاعتراف باسرائيل بصفتها الوطن القومي للشعب اليهودي سنضطر على ما يبدو الى التأجيل الى مراحل متأخرة أكثر في المفاوضات. صحيح ايضا القول ان على اسرائيل ان تنتقل من حالة الرد الى حالة المبادرة، وبالتأكيد صحيحة الاقوال عن الحاجة الى استمرار حرية عمل قوات الأمن، في اطار الجهد لمواصلة تعزيز التنسيق مع اجهزة أمن السلطة الفلسطينية.
ومع ذلك، في نظري يوجد في المخطط ايضا غير قليل من المشاكل، العلل، ومسائل من الصواب مراجعتها في منشور مختلف.
أولا وقبل كل شيء، اشعر من القراءة الدقيقة للوثيقة بان هدفها مهاجمة حل الدولتين. لا يقترح المخطط حلا جديدا بل طريقة عمل مختلفة لتنفيذ الخطة القائمة. كما أن البدائل التي يحللها كُتّاب الوثيقة، بحثت في معظمها في الماضي في الحوار عن حل الدولتين. وهكذا تمنع الوثيقة البحث ذا الصلة اكثر، في نظري، بشأن الحاجة الى افكار جديدة تماما، بديلة لفكرة الدولتين. كما أنه يمنع البحث في أمر الادعاءات بانعدام الصلة لحل الدولتين، وبشأن الحاجة الى تغيير المنظومة الفكرية.
وفضلا عن ذلك، فان فريق الخبراء وان كان يتناول التغييرات الجارية في المنطقة في السنوات الاخيرة، في ظل اشارته الى الفرص الاستراتيجية في هذا الوقت، والتي تنبع من القوة العسكرية والاقتصادية لاسرائيل، من موقف الادارة الأميركية المتعاطفة، من الانفتاحية في العالم العربي على مواقف جديدة وغيرها، ولكن لسبب ما تترجم هذه التغييرات والفرص الى القول ان الزمن ناضج للتقدم في مسار الدولتين. لماذا؟ لعله يمكن التخلي عن هذا الحل وايجاد حل ابداعي آخر.
مثلا، تماثل المصالح المتعاظم بين اسرائيل وبين الدول السنية الرائدة، مع التشديد على مصر، الاردن، والسعودية بسبب تهديد الارهاب والتهديد الايراني، يذكر في الوثيقة، ولكن معانيه ناقصة. في نظري المعنى الحقيقي هو الارتفاع الواضح لذخرية اسرائيل، حيث إن النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني تحول في جوانب عديدة من ذخر الى عبء. فالدول التي ذكرتها كان يسرها لو أن المشكلة الفلسطينية تحل، حتى مقابل تنازلات فلسطينية عميقة.
فضلا عن ذلك، فان الرد الحاد للشارع العربي في هذه الدول، وكذا ايضا في «يهودا» و»السامرة»، على الاحداث في الاشهر الاخيرة – سواء في جولات التصعيد مع غزة أم في جولة نقل السفارة الأميركية الى القدس – يعزز احساس الزعماء بان المسألة الفلسطينية لا تزال مهمة لاستقرار حكمهم، ولكن أقل بكثير مما في الماضي.
يدعي المعهد بان السياسة الاسرائيلية لادارة النزاع تدهور الوضع الاستراتيجي لاسرائيل. لعل العكس هو الصحيح. لعل الزمن المنقضي يعمل لصالحنا. ففي السنة الماضية انتقلت عدة سفارات الى القدس، وبذلك عززت سيادة اسرائيل في المدينة؛ المصالح المشتركة، ومصالح العالم السني أيضاً تتعزز؛ اوروبا آخذة في الغرق في شؤونها الداخلية؛ وفي السياسة الخارجية، في مركز الاهتمام، يوجد الاتفاق النووي مع ايران والعلاقات مع الولايات المتحدة. في كل هذه المستويات ازدادت اهمية اسرائيل (بخلاف ادعاء مصدر اوروبي كبير مجهول قبل اسبوعين – اسرائيل ليست فقط «بندورة شيري») وتراجعت مكانة المشكلة الفلسطينية.
كما أن الادعاء بشأن التهديد الديمغرافي يحتاج الى توسع وبحث اضافي. ففي السنوات الأخيرة يتزايد الباحثون وخبراء الديمغرافيا، الذين يدعون العكس تماما، ويشيرون الى الانخفاض في متوسط عدد الاولاد لدى «عرب اسرائيل» مقابل بعض الارتفاع او الاستقرار في الولادة لدى السكان اليهود (الذي يبلغ عددهم اليوم اكثر من 3 اولاد للعائلة، وهو معطى عال جدا في العالم الغربي).
يدعي كُتّاب الوثيقة بان معظم مواطني اسرائيل يؤيدون حل الدولتين. أحقا؟ ثمة فرق هائل بين تأييد مبدأ الانفصال وبين تأييد خطة الدولتين، ولا سيما في التفاصيل العديدة التي تتشكل منها. فتوصية المعهد الانسحاب من مناطق في «يهودا» و»السامرة» (حتى تلك غير المأهولة) بالتأكيد ليست في الاجماع، واشك أنه في الاجواء السياسية الحالية في اسرائيل توجد لها أغلبية في الجمهور. فما بالك التقدم في اتجاه اخلاء بلدات او مستوطنات حتى تلك التي ليست في اطار الكتل الاستيطانية؟
نقطة مهمة اخرى تتجاهلها الوثيقة هي مكانة رئيس السلطة الفلسطينية. كما هو معروف، ابو مازن بات ابن 83، حالته الصحية ليست جيدة، وولايته تقترب من نهايتها. لا احد يعرف من سيحل محله، وكيف ستبدو السلطة بعد انصرافه. لا يمكننا أن نستبعد حتى امكانية سيناريوهات اشكالية بموجبها تستولي «حماس» على الحكم في «يهودا» و»السامرة» أيضا. في كل الاحوال  فهل من الصواب التقدم الى تسوية مع زعيم مستقبله في ماضيه؟ ومع منظومة ليس واضحا كيف ستبدو بعد زمن غير بعيد؟ لعل من الصواب الانتظار لرؤية كيف ستستقر المنظومة الفلسطينية في عصر ما بعد ابو مازن.
فضلا عن ذلك، فان الانقسام بحكم الامر الواقع في الساحة الفلسطينية بين غزة والضفة وبين السلطة و»حماس» لا يلقى المكان المناسب له في المخطط المقترح. فالاقتراح يثبت الوضع، يضعف ابو مازن، وعمليا يقترح حل ثلاث دول للشعبين، يتلقى فيه الفلسطينيون دولتين واليهود واحدة. وفي النهاية، من المعروف ان الادارة الأميركية تعمل على «صفقة القرن». ليس واضحا بعد متى ستنشر، ماذا ستتضمن، وما هي التنازلات التي ستكون مطلوبة من اسرائيل (واضح انه ستكون كهذه). فهل هذا هو الوقت للخروج في مخطط عمل، قبل أن نعرف ما الذي يقترحه الأميركيون بالضبط؟
حتى لو كنا نتفق مع الوثيقة، او لا نتفق، فان المخطط الذي يقترحه معهد بحوث الامن القومي لم يثر النقاش اللازم. لا شك أن حوارا كهذا واجب، والحاجة الى محاولة انقاذ عربة النزاع من الوحل حرجة اليوم اكثر من اي وقت مضى، حتى وان لم يكن بالضرورة على اساس حل الدولتين.
في هوامش الامور، صحيح في نظري ان كل من لا يتفق مع حل الدولتين او مع المخطط الذي يقترحه المعهد، سيحاول بلورة مخططات محتملة وافكار جديدة لحل النزاع وعرضها على الجمهور، مثلما فعل المعهد. دون حوار كهذا ودون بدائل للمخططات المعروفة والقائمة سنبقى مع المنظومات الفكرية القديمة، التي لم تثبت نفسها حتى الآن. لاولئك الذين يفكرون بان حل الدولتين والحاجة الى انسحاب من مناطق واسعة في «يهودا» و»السامرة» ليسا الحل المرغوب فيه، لا يكفي قول لماذا لا. علينا ايضا أن نحاول انتاج بدائل.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق