«هآرتس»نــتــنــيـــاهـــــو يخـــتـــــار دفـــــــع ثـمــــن وقــــف الـــنــار

18 نوفمبر 2018 - 07:52
صوت فتح الإخباري:

بقلم: عاموس هرئيل
بعد يوم القصف الاكثر كثافة الذي سجل في جنوب البلاد، وهو أشد من الارقام العالية في عملية الجرف الصامد، قرر، امس، «الكابنيت» الإسرائيلي الاكثر يمينية الذهاب الى وقف لإطلاق النار مع «حماس» في القطاع. صحيح أن البيان الرسمي صيغ بلغة ضبابية (الكابنيت أصدر تعليماته للجيش «بمواصلة العمل كلما لزم الامر»). ولكن معناه اتضح في الظهيرة: الجيش الإسرائيلي أوقف إطلاق النار، وكذلك ايضا التنظيمات الفلسطينية في القطاع التي من ناحيتها اعترفت بذلك صراحة.
جرت هذه الامور خلافا لجزء كبير من الاقوال التي سمعت في التلفاز منذ بدء جولة الهجمات الحالية في مساء يوم الاحد. اتخذ القرار رغم ضغط الجمهور والانتقاد المتزايد في وسائل الاعلام لما وصف بسياسة الرد الضعيف للحكومة. ليس مستبعدا أن يكون هذا الرد مرتبطا ايضا بضرر سياسي. مع ذلك، يبدو أن رئيس الحكومة نتنياهو مصمم على ذلك بصورة تناسب تماما اقواله في المؤتمر الصحافي في باريس في بداية هذا الاسبوع، نتنياهو يفضل الهدوء على حرب في غزة – وهو مستعد لأخذ مخاطرة ليست بسيطة من اجل التوصل اليه.
كان القرار مرتبطا بخلافات في «الكابنيت»، خلافا للتسريبات الاولى، فقد اهتم الوزير بينيت والوزير ليبرمان بالتأكيد بعد النقاش على أنهما لا يؤمنان بالتسوية. في المقابل، نتنياهو يحظى بتأييد رؤساء جميع الاجهزة الامنية الذين يعتقدون بأنه لا يوجد مبرر لشن حرب الآن في غزة، حتى بعد الإطلاقات الثقيلة في اليومين الاخيرين. حسب اقوال مشاركين في الجلسة فان نتنياهو لا يرى في احداث الايام الاخيرة أي تغيير جوهري في الوضع على الارض. من ناحيته التصعيد كان أمرا تكتيكيا فقط، يعيد الطرفين الى نفس النقطة التي كانت في محادثات التسوية، وبالتأكيد ليس أمرا يجب أن يفرض أي تغيير على المستوى الاستراتيجي. كذلك اضاف الحضور بأنه بدرجة ما هو يفهم ايضا ضغوطات «حماس».
كما أن هناك ايضا متغيرا لعب دورا في هذا القرار: التوقيت. على خلفية حقيقة أن الجولة الحالية اندلعت بسبب خلل إسرائيلي غير مخطط له في القطاع وبدون قدرة على مفاجأة «حماس»، التفسير هو أنه في وضع كهذا سيكون أصعب على إسرائيل استعراض قوتها. مع ذلك، حتى لو لم يقل هذا بصورة علنية، فان «الكابنيت» يستعد لاحتمالية أن الخطط والاتصالات للتسوية ستتشوش مرة اخرى والجنوب سيشتعل. في حينه خيار الدخول البري الى غزة سيطرح مجددا على الطاولة وربما أكثر من ذلك.
صرح نتنياهو في السابق عن اعتباراته طوال الوقت: هو يعتقد أن عملية برية في غزة يمكن أن تتعقد وتكلف ثمنا باهظا، وهو يخشى من أنه لن يكون هناك من سيأخذ الحكم في القطاع حتى لو طردت إسرائيل «حماس» من هناك. لقد كان كما يبدو لذلك اسباب اخرى. فرئيس الحكومة يعتقد أنه يمكنه مواصلة تحسين العلاقات مع دول الخليج بعد الزيارة العلنية في عمان، وربما الاستعانة بها من اجل ضخ الاموال للقطاع وتخفيف مشاكل البنى التحتية هناك. بقي ايضا التهديد الايراني في سورية ولبنان، الذي حسب رأي نتنياهو يحتاج الى اهتمام وتخصيص موارد.
أخذ رئيس الحكومة على مسؤوليته كما يبدو مخاطرة ليست قليلة. جهود التسوية يمكن أن تتشوش مرة اخرى مثلما حدث في مرات كثيرة مؤخرا. لقد تولد ايضا الانطباع بأن زعماء «حماس» يعتقدون أنه باستطاعتهم أن يرفعوا في كل مرة من جديد سقف العملية العسكرية ضد إسرائيل، دون أن يدفعوا في المقابل ثمنا باهظا. يعيد قرار «الكابنيت» في الوقت الحالي الهدوء الى بلدات غلاف غزة حتى اندلاع المواجهة القادمة.

إشارات من غزة
الارقام التي سجلت حتى الظهيرة هي ارقام مجنونة. أكثر من 450 صاروخا وقذيفة أطلقت من القطاع. وجهت معظمها نحو بلدات الغلاف، وعدد قليل منها وجه نحو مدن جنوب البلاد. يبدو أيضا أن هناك محاولة لـ»حماس» والتنظيمات الفلسطينية لتحدي انظمة الدفاع الإسرائيلية. القبة الحديدية اعترضت عددا كبيرا من الصواريخ التي ربما كانت ستسقط في مناطق مأهولة. ولكن صاروخ اصاب مبنى قديما (بدون غرف آمنة) في عسقلان أدى الى قتيل ومصابتين بإصابة بالغة. ومثلها ايضا كانت هناك فجوة خطيرة في نظام الحماية للجيش مكنت من اصابة صاروخ مضاد للدروع لحافلة قرب الجدار واصابة جندي بصورة بالغة.
جاء الرد الفلسطيني بعد فترة هدوء استمرت ساعات طويلة بعد تشوش عملية القوة الخاصة للجيش في عمق القطاع في خان يونس. «حماس» لم تكتف بتسويق الرواية التي تقول إنها صدت توغلا إسرائيليا وقتلت ضابطا كبيرا في الوحدة الخاصة. يبدو أن «حماس» ارادت اعطاء اشارة بأن ردها على الاختراق في اراضيها (بالنسبة لها، خرق سيادتها) تقتضي بأن يكون أكثر شدة، هذه بالفعل محاولة لإملاء قواعد لعب جديدة: حتى نشاط سري يتم كشفه في اراضيهم – وشبيه به يقوم الجيش ايضا في حدود اخرى من الدولة – سيؤدي الى قصف شديد للأراضي الإسرائيلية.
ربما أن قرار «حماس» الرد بشدة تأثر من التصريحات المتكررة لنتنياهو، التي بحسبها قال إنه غير معني بالتصعيد. يبدو أن قادة «حماس» أنفسهم فوجئوا كل مرة من جديد من الرد الإسرائيلي المحدود على إطلاق الصواريخ، في كل مرة من جولات العنف السابقة في الاشهر الاخيرة. وطبقا لذلك زادت ايضا الشجاعة الفلسطينية من جولة الى اخرى.

فشل مضادات الدبابات
الحدث الاكثر اقلاقا في اليوم الذي سبق وقف إطلاق النار، يمكن أن يعكس ايضا اختيارا عمليا لـ»حماس» بأن لا تصعد التوتر الآني الى درجة حرب شاملة. القصد هو فيلم الفيديو القصير الذي نشرته «حماس» وفيه تظهر اصابة الحافلة الإسرائيلية قرب الجدار في ظهيرة أول أمس. في الفيلم الوثائقي يظهر جيدا كيف أن سائق الحافلة دخل الى منطقة ليس بينها وبين الحدود أي حماية، وهكذا كان مكشوفا بشكل كامل لإصابة صاروخ مضاد للدبابات. في المحيط يظهر عدد من المركبات الصغيرة، معظمها عسكرية والى جانبها جنود.
الصاروخ فجر الحافلة واصاب جنديا كان يقف قربها. نقلت الحافلة التي اصيبت قوة تعزيز تم ارسالها الى المنطقة، وفقط دقائق معدودة قبل ذلك نزل منها عشرات الجنود. رغم أن هذا الجزء لا يظهر في فيلم «حماس»، إلا أنه يمكن أن نفهم منه أن خلية مضادات الدبابات التابعة لها خبيرة بكل التفاصيل واختارت إطلاق الصاروخ في الوقت المناسب.
مشاهدة الفيلم تقشعر لها الابدان وتثير الغضب. مع كل الحذر المطلوب يجب القول إنه بهذه الصورة لا يمكن أن يتصرف جيش يوجد في حالة حرب. هذه الدروس كان يجب تعلمها بالدم بعد اخطاء سابقة من إطلاق مضادات الدبابات في عملية «عمود السحاب» في القطاع (2012 وقبلها) وفي حادثة منحدرات هار دوف على حدود لبنان، التي قتل فيها ضابط وجندي في كانون الثاني 2015. يوجد في الجيش توجهات ثابتة تقول إنه يجب اغلاق خط الجدار ومناطق الدخول الموجودة امام حركة المدنيين (باستثناء سكان المنطقة الذين يسافرون لأغراض ملحة). وعدم كشف سفر اداري غير محمي للنار المباشرة. اضافة الى ذلك حركة المركبات في نفس المنطقة تم وقفها قبل بضع ساعات بالضبط بسبب الخوف من إطلاق الصواريخ المضادة للدبابات.
تقضي العقيدة العسكرية بأبعاد مناطق دخول الوحدات الى خلف مدى المدفعية التكتيكية للعدو. في حالة «حماس» – مدى 5 كم من نيران القذائف. هذا الخلل يعود ويخلق انكشافا مبالغا فيه لنار المدفعية، وهذه المرة ايضا لكمين مركز من مضادات الدبابات، رغم أنه سبق أن كلف ذلك قتلى، ووجهت له انتقادات حتى في عملية الجرف الصامد. لقد كان يمكن التوقع من الجيش الإسرائيلي ادارة متشددة أكثر للحركة في المناطق القريبة من الجدار – وهذا خطأ كبير يقتضي تحقيقا جديا. أمس، أعلن الجيش عن تشكيل لجنة تحقيق برئاسة ضابط برتبة عميد لفحص ظروف الحادثة.
تبدو قذائف الهاون ايضا كمشكلة تجد إسرائيل صعوبة في التعامل معها. منذ سنوات يبدو أنه توجد صعوبة للجيش الإسرائيلي في مواجهة نيران مائلة المسار قرب الجدار في القطاع، وضرب خلايا الإطلاق. خلافا للصواريخ، معظم مدافع الهاون هي ثابتة ولا يتم تحريكها من مكان الى آخر اثناء القتال. إطلاقها المتواصل يمكن أن يدل على أن حماس قطعت شوطا كبيرا في محاولة تعويض الاصابة الإسرائيلية المنهجية لسلاحها الهجومي الرئيسي حتى الآونة الاخيرة ألا وهو الانفاق.
سؤال آخر يتعلق بنوعية الافكار الهجومية التي توجد لدى الجيش الإسرائيلي. خلال الجولات الاخيرة الانطباع هو أن ردا يستند الى المس بمواقع «حماس» وحتى بالمباني متعددة الطوابق التي تمكنت «حماس» من اخلاء سكانها، لن يحول في هذه الاثناء قيادة «حماس» عن اهدافها. يبدو أن اللغة العسكرية الجديدة حتى التي تبشر بتصريحات الناطق بلسان الجيش عن «مهاجمة هدف ارهابي خاص لـ(حماس)، لم تستوعب جيدا في اوساط الجمهور الإسرائيلي. هذه الصيغة يمكن أن تسمع كتبجح (أو كإعلان عقاري)، حتى لو كانت وجهة إسرائيل نحو وقف إطلاق نار طويل المدى، وهذا بالتأكيد أفضل من الحرب، ربما أنه بنظرة الى الوراء ستكون هناك حاجة لإعادة فحص قرار التقدم بسرعة كهذه نحو وقف إطلاق النار. كما تبدو الامور في هذه الاثناء فان «حماس» تبث بأنها هي المنتصرة، وأن الخطوات الإسرائيلية لم تذكرها بعد بالفجوة في القدرات بين الطرفين. هذه نقطة انطلاق اشكالية للوصول منها الى اتفاق على وقف طويل المدى لإطلاق النار.
 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق