«معاريف»صفقة القرن: هل سيقسّم ترامب القدس من أجل التوصل إلى اتفاق سلام؟

11 نوفمبر 2018 - 07:48
صوت فتح الإخباري:

نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة ستؤثر على القدس. ليس فقط على القدس كتعبير مجازي على حكومة إسرائيل، بل على مدينة القدس، وعلى إعادتها الى خطاب سياسي متفجر ومشوق. ما يبدو أمراً لا يجري الحديث فيه بعد اليوم، يهدد بالعودة ومن خلال الإدارة الأكثر تعاطفاً مع إسرائيل اليمينية. يحدث هذا على النحو التالي: دونالد ترامب انتصر. وهو دوما ينتصر. فقد حافظ على مجلس الشيوخ ومنع «موجة زرقاء» صرفة كانت ستهز مكانته. ولكنه خسر الأغلبية في مجلس النواب. لو كان فاز هناك أيضا لأصبح الأقوى الذي لا يشكك به أحد. ووفقا للمفهوم الإسرائيلي فان رئيسا قويا يمكنه أن يركز على الشؤون الخارجية بسهولة، فيصطدم بإيران، ويضع قدما في سورية، وسيكون من الاسهل عليه امتصاص انتقاد العالم على إذابة القضية الفلسطينية. وبالمقابل فان رئيسا جريحا، يكافح ضد الإطاحة به وضد التحقيق معه، قد يكون هشا، اقل التزاما للمنطقة، بل قد يدفعه الديمقراطيون نحو خطوات تعطيه مكانة دولية وتثبت بأنه لاعب سياسي.
 في مثل هذه الحالة، فان إسرائيل وبنيامين نتنياهو قد يكونان مطالبين بدفع ثمن كي ينتج اتفاق، او على الاقل مسيرة مع الفلسطينيين. فضلا عن ذلك فانه ابتداء من الأسبوع القادم سيركز ترامب على الانتخابات التالية للرئاسة والتي ستجرى بعد سنتين. سيقاتل ضد الجبهة الداخلية بكل القوة، مثلما كان يمكن ان نرى في الحادثة الشاذة والعنيفة مع مراسل الـ «سي.ان.ان» في البيت الأبيض. فهو سينحي، سيقيل، سيفعل كل شيء حتى لو كان عقيما كي يتملص من اجراء الاطاحة به في مجلس النواب.
سيرغب ترامب في ان يحقق قائمة وعوده للجمهور وللعالم. الى جانب الحرب ضد المهاجرين، معالجة الاقتصاد وشؤون السلاح، التعليم والميزانية، سيرغب في أن يظهر بانه زعيم دولي مع إنجازات. فقد فرض عقوبات على ايران، وسيعمل اذا كان يستطيع من أجل خلق مفاوضات بديلة على اتفاق محسن. احتمال ذلك محدود.
 لن ترغب إيران في الاستسلام لترامب. وهي ستفضل الدخول في نظام التقشف الاقتصادي والسياسي وانتظار سنتين لاحتمال أن يرحل. في حالة الضائقة من شأنها ان تبادر الى خطوة عسكرية غير مباشرة مع إسرائيل في الشمال بوساطة «حزب الله»، ميليشياتها في سورية، والحرس الثوري.
 في الفترة القريبة القادمة سيكون الشمال حساسا للغاية. على فرض أن أمام ايران ستبدأ معركة سياسية واقتصادية تتطلب زمنا، فان السبيل السهل لتحقيق إنجاز سياسي مفاجئ، واضح وقاطع، هو في مجال التسوية مع الفلسطينيين.
يبدو هذا مدحوضا ومنقطعا عن الواقع في ضوء السلوك الفظ لترامب تجاه ابو مازن وتبني مواقفنا. ولكن يجب أن نتذكر لماذا اتخذ ترامب كل هذه الاعمال: فهو يرى نفسه فنان الصفقات، وهو يريد أن يجبر الفلسطينيين على العودة الى الطاولة وقبول الصفقة.
فضلا عن ذلك، يرى ترامب نفسه كمن أعطى إسرائيل ونتنياهو، وهو يحتاج الآن لأن يتلقى شيئا بالمقابل. كانت لهذه عدة تلميحات: فقد تحدث عن ان بيبي مدين له، قال انه بعد أن حصلت إسرائيل على السفارة في القدس فانها ستعطي شيئا جميلا للفلسطينيين ايضا، بل تحدث عن عاصمة فلسطينية في القدس. فهل سيقسم ترامب القدس؟ مهما كان هذا غريباً، فان ترامب لم يتراجع عن «صفقة القرن». فهو يعمل عليها ويريد أن يحققها، واذا لم يحقق شيئا فانه سيبدو هشاشا ومخادعا سياسيا.
 يرى الرئيس الأميركي كل الخطوات الأخيرة نوعا من السلفة التي تلقتها إسرائيل من المنطقة: اللقاءات العلنية للرئيس المصري مع نتنياهو؛ الزيارة الاستثنائية والعلنية لرئيس الوزراء الى سلطنة عُمان، دعوة وزير المواصلات، اسرائيل كاتس، الى عُمان لعرض سكة السلام: خطته لربط اسرائيل بسكك قطارات الى السعودية والى العالم العربي. هذه سلفة، وزمن الدفع يجب أن يأتي.
الى جانب تبني موقف اسرائيل في انه لا حاجة لاخلاء المستوطنات من اجل السلام، من ناحية ترامب فان تقسيم القدس أو عرض الجانب الشرقي منها كعاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية هو مفاجئ ومغرٍ في الوقت ذاته، وعمليا بيع في الوضع القائم.
سيادة مقترضة
القدس موحدة زعما ومقسمة في الواقع. كان يمكن أن نتابع مثلا الفعل المخيف لسلطات الدين الإسلامية في المدينة، التي رفضت دفن احد قتلى الحادثة المروعة على طريق الغور لادعاء انه تاجر بالأراضي مع اليهود. اي من المرشحين لرئاسة البلدية لم يتدخل. لم يكن هذا في منطقة اهتمامنا.
هذا السؤال الذي يحوم فوق القدس مشوق وتقليدي. ففي الاسبوع الماضي توفي رفل بركان (بنكلر)، صحافي ومحرر في «عل همشمار»، ومراسل سياسي كان صديقا مقربا من يوسي سريد حين كان هذا صحافيا، حيث يكتب انه كان جزءا من اضطرابات الطلاب في باريس في العام 1968 حيث كتب رسالة الدكتوراه مع انه سافر دون أن يعرف كلمة واحدة بالفرنسية. بحثه خصصه لتوحيد القدس، وحلل مكانتها القانونية. كتب رسالته بعد ثلاث سنوات من حرب «الايام الستة»، حين لم يتجرأ احد في الحديث عن تقسيم القدس، وحين كانت إسرائيل في حالة نشوة كاملة.
 من جهة قال انه ليس للأردن اي صلاحية قانونية في السيطرة التي كانت لها على المدينة، «القدس أدرجت قانونيا تحت السيادة الإسرائيلية من خلال تحقيق الحق الطبيعي للشعب اليهودي في تقرير المصير لبلاد إسرائيل، بعد ان احتلتها إسرائيل في ظل استخدام حق طبيعي آخر لها، هو حق الدفاع عن النفس». وأضاف انه وفقا لتحليل القانون الدولي، فان «القيد الوحيد الكفيل بان يثور على حق إسرائيل هو اذا ما وعندما يقوم كيان سياسي مستقل وسيادي للشعب الفلسطيني».
 في ختام رسالته للدكتوراه قال بركان ان السيادة الإسرائيلية هي سيادة مقترضة، لان السيادة العربية هي سيادة معلقة. وقد سمح لنفسه بالحديث عن حل مثالي لتقسيم المدينة الى ادارة مشتركة وفقا للاحياء المختلفة، تسوية عادت الى الحياة في عهد «كامب ديفيد»، من خلال إيهود باراك، قبل أن ينهار كل شيء. وبالمناسبة، رافق بركان مناحيم بيغن عندما وصل السادات الى البلاد وغطى إعلامياً عن كثب اتفاق السلام الذي وضعت فيه البنية التحتية للحكم الذاتي الفلسطيني. تحليله منذئذ يشرح لمن نسي الموقف المتحفظ لدول العالم على مكانة القدس. هذا هو ايضا اغراء ترامب: تسوية الامور، من خلال عقد صفقة. متلازمة القدس للصفقات السياسية.
 من جانب آخر، فان كل تحليل لأعمال ترامب اشكالي. فلم يكن مصدر كبير واحد في القدس وافق على ان يقدر ما الذي سيفعله. يمكنه ان يفعل كل شيء. كل شيء. تسوية، خطة او لا شيء. وهو غير ملزم بتفسير لأحد. وهو سيرتب الواقع كما يريد. محافل في اليسار تدعي بان كل خطوة القدس من جانب ترامب، والتي استفادت منها إسرائيل، هدفها إرضاء الجمهور الافنجيلي الذي انضم اليه رغم سلوكه عديم القيود في المجال الشخصي. ترامب يبدأ حملة، ومن المشكوك فيه ان يرغب في تقسيم القدس وفقدان مصوتيه. في نهاية المطاف، مثلما قال كيسنجر، فان كل السياسة الخارجية في القدس هي سياسة داخلية. وهو محق، وليس فقط بالنسبة لاسرائيل.

 قدس الذهب والسياسة والصفقات
 الجولة الثانية في الانتخابات لرئاسة بلدية القدس ترفع الى الذروة العاصفة الحزبية، السياسية والبلدية التي تميز المدينة التي تحيط بها الجبال، ويتجول فيها الوزراء. فالانشقاق في المعسكر الأصولي ادى الى الخسارة المتوقعة ليوسي دايتش والى عودة زئيف الكين، السياسي الخبير والحاد، الى وزارة حماية البيئة. الفرضية السياسية التلقائية كانت ان موشيه ليئون، معتمر الكيبا المدعوم من آريه درعي وافيغدور ليبرمان، سيجترف بسهولة أصوات الأصوليين للمرشحَين اللذين تساقطا وسينتصر بسهولة. هذا لم يحصل. عوفر بركوفيتش، المرشح العلماني لقائمة اليقظة، نجح في وضع علامة استفهام. رغم كل الصفقات، يتحدث الناس على تصويت احتجاج من جانب الأصوليين لصالحه، عن أصحاب الكيبات المحبوكة ممن سيصوتون لصالحه، رغم ان «البيت اليهودي» اعلن تأييده لليئون. هذا الأسبوع سيتبين من سيقف على المدينة الموحدة التي يريد الجميع تقسيمها. تقسيمها لأنفسهم وأحيانا للآخرين.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق