فن الكلام الصادق السفير والجذاذات

17 أكتوبر 2018 - 08:15
بكر أبو بكر
صوت فتح الإخباري:

 في استكمالنا الحديث حول فن الحديث والمظهر الفصيح:يقول تلميذ من تلاميذ حسن البنا -وهو محمد لبيب البوهي أحد المبهورين به- عن فن الخطابة عنده ان :"حكمته وبراعته كانتا تخلعان على الموضوع الواحد في كل حفل ثوبا جديدا، حتى لتود أن تسمع نفس الموضوع عشرات المرات، في عشرات الجهات، فستجد مع الموضوع صورة من الإلمام المركز لخلاصة مشكلات المنطقة التي أقيم فيها الحفل، وكيف تستخلص حلولها من أمثال هذه المناسبة"[1].
مضيفا أن من أهم ملامح خطبه:
1- تأكيد المعاني المهمة، والعودة إليها، والوقوف عندها لاستخلاص الدروس والعظات المنشودة.
2-الربط بين الماضي والحاضر لتأصيل ما يدعو إليه.
3-الإكثار من التشبيهات وضرب الأمثال التى ترتبط ارتباطا عضويا بالموضوع.
4-الإكثار من الشواهد القرآنية والسنة النبوية وسلوك السلف الصالح.
5. فتح باب الأمل أمام سامعيه حتى العصاة منهم.
6-توزيع نظراته بين الحاضرين حتى ليظن كل شخص أنه يخصه بها.

السفير وحكم الزمن
لم أعاني كثيرا من الانضباط للزمن خاصة في البدايات، فلقد دأبت على إلقاء الكلمة أوالمحاضرة أو الخطاب مسبقا مع نفسي، كما علمني خالد الذكر أبوعلي المطري مسؤولي التنظيمي وومعلمي وصديقي لاحقا، فأصبحت أعلم الوقت المحدد لي مسبقا، وأطابقه مع كلمتي الافتراضية المسبقة، وفيها أحدد ملامح الصوت من خفوت وارتفاع وأحدد مكامن التوقف وفترات الانطلاق، كما أحدد وبعملية معالجة عقلية الأقسام ومحطات الخطاب حتى قبل الكتابة وبعدها.
مع وضوح الأفكار والمادة يكون التمرين والتدريب المسبق على التطبيق، فإن نقص الوقت لي أن أملاه بمعلومة ذات صلة أو بسؤال أو بالكتابة على اللوح أو بعرض صورة وكلها من عوامل جذب المستمع وفي ذات الوقت مما يوفر لك فترة من الزمن تحضر فيها التالي من مضمون الكلمة.
وقد حدث لي في أحد المحاضرات أن سهوت فلم أعلم ماذا قلت مسبقا وماذا ساقول لاحقا! فنظرت للوح الى عنوان المحاضرة وتداركت الامر حيث لم ينتبه أحد البتة رغم العرق الذي نزّ من جبيني لهذه الورطة الخفيفة، تداركت الامر بأن أعدت كتابة العنوان طالبا من الحضور تفكيك المعنى للعنوان، وكان العنوان هو"قرار التقسيم بين وعد بلفورووثيقة كامبل بانرمان".

في نقطة الزمن، استدعينا أحد السفراء لإلقاء كلمة في دورة عقدناها في دولة آسيوية وحددنا له من الوقت 45 دقيقة، وهو للعلم أستاذ في مجاله ورجل يشهد له بالملاحة والفصاحة والإلمام، فقال سأتجاوز الساعة ونصف في نغمة تحدي تبعتها ابتسامة، ولن توقفوني! وتبسمت أنا هذه المرة وفي نيتي أن أضبطه للوقت المقرر، اذ كنت قطعا لن أسمح له ولو أنه سفير.
حينها كنا طلابا، لكنه لسوء حظه لم يتحدث 30 دقيقة وصمت، لماذا؟
ببساطة: لأنه لم يحضّر محاضرته مسبقا، فلقد جاء بدون مساعدات أو ورق، ولم يتدرب على الوقت ابدا، وافترض افتراضات عنترية بتجاوز الوقت ما لم يحصل، لم يكن برأسه رؤوس أقلام او كلمات مفتاحية رغم أن المحاضرة كانت عن محطات نضالية في انطلاقة الثورة الفلسطينية وكان يمكنه أن يطرق عدة محطات ملتزما بالوقت فركز على الانطلاقة الأولى والثانية لحركة فتح دون تفاصيل فهو لم يكن محضرا لها وافترض على ما يبدو أن ما يختزنه يمكن استدعاؤه دون تحضير مسبق ولو عقلي على الاقل ودون تخطيط وتنظيم لتسلسل ما سيقول.
ولأخرجه من حرجه وورطته وهو يتحدث أمام طلابه، فهو السفير في هذا البلد، شكرته كثيرا على تقليص الزمن رغم قدرته على الإكمال لرغبته في إتاحة مساحة أو سع للأسئلة.
لذا أقول أنا: حضّر مادتك جيدا ورقيا وذهنيا وزمنيا، ولا تقطع وعودا لا تفي بها.


البحث والاستعانة بالجذاذات
كنت في البدايات انزعج من إلقاء النظرة على المحاضرة المكتوبة بعد اعدادها وكتابتها الى أن اكتشفت أن الاستعانة بالورق ضرورة وليست عيبا أو تشكل نقصا، وذلك عبر كتابة ررؤوس الأقلام أو مفاتيح الكلام، ومن خلال الوريقات الصغيرة (الجذاذات) أو مخطط المحاضرة.
كتابة المحاضرة شرّلا بد منه، وذلك إثر تحضيرها بالشرائط الأربعة: من البحث المكثف بالكتب والمكتبات والسؤال والاستفسار وربما الاستطلاع، وعبر الشابكة حديثا، ثم الاستدلال على السمين من مجموع المتوفر من المواد، وهذه ترتبط بقدرة الفرز وتحدي ما له صلة مما لا يمت بصلة، وصولا الى الكتابة للأقسام والمقدمة والخاتمة، فالتدوين خطيا أوعلى الحاسوب وهذا بحد ذاته لا يكفي لتكون متحدثا مقداما!
الاستعانة كعنوان لا يعيب بل يقوّي، فليس من شأن الجمهور أن يمتحن ذاكرتك فهو جاء ليسمعك وهو ليس عدوك لذا ابتهج واستخدم من مساعدات التذكر الورقية أو غيرها، ما ترى، فلقد قيل عن حسن البنا مؤسس "الاخوان المسلمين" أنه كان يتحدث بلا ورق، وبسلاسة يحسد عليها الى أن أشار أحد أصدقائه أنه كان يستعين في ترتيب وترابط الافكار وتسلسلها بأنه يكتب رؤوس الكلمات للجمل على كل حبة من حبات مسبحته الكبيرة فكل حبة تنزل من يده تنزل معها فكرة!
وهذه لعمري فكرة جميلة، وكان لجمال عبد الناصر أن يلجأ كثيرا وكما كان من الخالد ياسر عرفات الى بعض المقربين ليسعفوه بالفكرة اللاحقة وهو مما لاننصح به فهو ضمن الحالات الخاصة للزعماء.
كان من أوائل من انتبهت لاستخدامه الجذاذات في دورة عقدتها كمكتب تعبئة وتنظيم لحركة فتح في تونس هو د.سعيد أبوعلي أحد اركان السفارة في تونس عام 1993 ثم السفير فالوزير في فلسطين، وكنت حينها اتحرّج من استخدامها مفترضا أن ضرورة التحضير المسبق تعني حتى عدم الاستعانة بالورق، فكان د.سعيد أبوعلي بقامته وثبات وقفته واستعانته بالجذاذات (أقصوصات الورق) سلسا، فكل جذاذة ينتهي منها يضعها جانبا وينظر للتالية بثقة وخفة، ويسترسل دون تلعثم أوافتقاد للتسلسل فكانت محاضرة ممتعة بحق وبحضور أعضاء من اللجنة المركزية لحركة فتح حينها والكوادر.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق