خاص بالفيديو.. القصة كاملة كما لم تشاهدها من قبل: من باع عقار القدس ؟!

16 أكتوبر 2018 - 14:11
صوت فتح الإخباري:

شهدت الأيام القليلة الماضية فصلاً جديداً وكارثياً من فضائح تسريب عقارات مقدسية لمستوطنين أفراد أو لجمعيات صهيونية، وكارثة تسريب عقار عقبة درويش تتشابك فيها أسماء ثلاثة، كل منها يرمي المسؤولية على الآخر، بينما الغائب الحاضر يبقى سلطة عباس، والتي من المفترض أن تكون مسؤولة عما تبقّى من صلاحياتها وواجباتها.

عقار عائلة جودة الذي يقع في عقبة درويش بالبلدة القديمة من القدس، لا يبعد عن المسجد الأقصى سوى بضع عشرات من الأمتار، هو نفسه الذي اقتحمه مستوطنون فجر يوم الخميس الماضي وسيطروا عليه، وهو ضخم ومكوّن من ثلاث طبقات وكان مملوكاً في الأصل لعائلة أديب جودة غضية الحسيني، إحدى أشهر عائلات القدس.

شرارة القضية

القصة بدأت يوم الثاني عشر من شهر مايو لعام 2017، عندما نشر الناشط الفلسطيني فادي السلامين بياناً هاماً، بشان عقار يتبع لعائلة جودة والذي يقع في منطفة عقبة درويش في مدينة القدس.

وقال السلامين في بيانه أنذاك: "بعد ان توجه الي اصحاب البيت عن طريق صديق فلسطيني مقرب منهم وطلبوا مني مساعدتهم في شرائه لحمايته من التسريب، حاولت في ٢٠١٣ شراء عقار ال جودة (وهو العقار الوحيد في القدس الذي تدخلت به فقط لا غير ولَم ولن أتدخل في اي عقار ثاني أبدا) لحمايته من التسريب وبعلم كل السلطات الفلسطينية وبعلم جميع اجهزتها الأمنية، وبعد فتح شركة فلسطينية وحساب بنكي فلسطيني (عامدا متعمدا) وايضاً بعلم واطلاع السلطة ايمانا مني بان حماية القدس ومقدساتها غاية وطنية وفرض على كل فلسطيني وفوق اي اختلاف سياسي".

وأضاف: "للأسف بعد ان زاد انتقادي للفساد في السلطة الفلسطينية تم استخدام هذه الغاية الشريفة للنيل مني شخصيا ومحاولة التشهير بي وبسمعتي وتم نشر اشاعات لها اول ولا اخر لها جميعها كاذبب، دون اي سبب قانوني ولكن لأسباب سياسية ملفقة قررت السلطة الحجز على المبلغ المتبقي لإتمام البيع بعد عامين من انتظار ال جودة لإتمام إجراءات التنازل المعقدة من جميع الورثة لشخص واحد ليتمم البيع نيابة عنهم".

وتابع:"النتيجة من هذا القرار السياسي والذي كان مرفق بفلم إعلامي رخيص هدفة الاسائة لي ولآل جودة واخرين قام ال جودة برفع قضية في محكمة القدس تطالب بأبطال البيع بينهم وبين فادي السلامين لانه لم يتم دفع باقي المبلغ لهم ولان العقد اصبح لاغي".

العطاري يدخل المشهد

حينذاك، دخل العطاري المشهد من بوابة شراء العقار، ودفع المليون ونصف دولار التي دفعها فادي السلامين، وقام أديب جودة بردها للسلامين من خلال المحكمة وبالتالي تم فسخ عقد البيع، لتأخذ الحكاية بعداً درامياً.

بعد بيع اديب جودة لعقاره للمدعو خالد العطاري، تفاجئ اهالي منطفة عقبة درويش في مدينة القدس بالمستوطنين وهم يستولون على المنزل ويحملون أوراقا رسمية تثبت بيع البيت لهم من قبل العطاري بعد موافقة محافظ القدس وأجهزة عباس الأمنية.

ووفقاً لما أوردته صحيفة "هآرتس" العبرية في تقرير لها، فقد اكدت أن "خالد العطاري اشترى العقار وفقا للتسجيل في السجل العقاري في نيسان/إبريل 2018، وفي ذات اليوم تم نقل الملكية لشركة أجنبية تسمى "Daho Holdings"، والمسجلة في جزيرة نيفيس في البحر الكاريبي، وبعد ستة أشهر من هذه الصفقة، دخل المستوطنون إلى المبنى واتضح أن العقار أصبح ملكا لجمعية عطيرت كوهنيم".

وعلى الفور اصدر أديب جودة صاحب العقار بيانا للعامة قال فيه: " بخصوص العقار الكائن في عقبة درويش في القدس والتي كانت تعود ملكيته لعائلة جودة وقبل اكثر من عام تم بيع العقار لشخص الدكتور خالد العطاري من مؤسسي شركات التامين الكبيره في رام الله ومدير بنك ايضا في رام الله سابقا وصاحب عقارات في القدس ورام الله ، وقد قمنا قبل بيعه العقار بالسؤال عن شخص الدكتور خالد العطاري من شخصيات فلسطينيه بارزه وقد اشادوا جميعا بأخلاق الدكتور خالد العطاري وبعائلته وبالاخص اخوته ذوي السمعه الطيبه ، وبعد ذلك تم بيع العقار لشخص الدكتور خالد العطاري وتم تسجيل العقار باسمه في دائرة الطابو ".

خرج العطاري الذي تثبت الاوراق الرسمية أنه من اشترى المنزل من عائلة جودة عبر صفحته على موقع فيس بوك ليواصل الاكاذيب ويدحض التهم عن ماجد فرج مدير مخابرات عباس، وليلقي بالتهم مجددا لدولة الامارات العربية المتحدة وفادي السلامين.

وزعم خلال مداخلة هاتفية لاحدى الاذاعات المحلية، أنه اشترى العقار لصالح فادي السلامين، في الوقت الذي قام فيه المواطن المقدسي كمال أبو قويدر بنشر محادثة هاتفية مسجلة بينه وبين محافظ القدس عدنان الحسيني، والتي كشفت كذب العطاري، اذ اكد المحافظ انه هو من قام بشراء العقار بعد تزكيته من أجهزة أمن عباس في رام الله.

وطالب المواطن ابو قويدر المحافظ بنشر القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لتتكشف الحقيقة الا ان المحافظ رفض، واصفا تلك المواقع بانها يهودية، الامر الذي دفع قويدر بنشر المحادثة المسجلة على موقع قيس بوك.

مفاجأة صادمة

من جانبها، أكدت مصادر مقدسية ، أن جهاز مخابرات عباس، "ضالع بشكل أساسي في هذه الصفقة المشبوهة إضافة لشخصيات رسمية فلسطينية أخرى، ومن المرجح أن يكون الجهاز هو الذي عقد الصفقة عبر واجهة تجارية متمثلة بالوسيط خالد العطاري المقرب جدا من اللواء ماجد فرج (رئيس جهاز المخابرات)، والذي قام بشراء منزل عقبة درويش قبل تسريبه للاحتلال".

وكشفت المصادر، أن "ماجد فرج ومعه العديد من الشخصيات، قاموا بزيارة عقار عقبة درويش والتقوا بأديب جودة ووالدته لمياء وهم أفراد عائلة جودة مالكة العقار المسرب في مدينة القدس".

وأوضحت أن "هذه الزيارة تمت عقب نجاح جهاز المخابرات في فسخ عقد البيع ما بين فادي السلامين المقرب من القيادي المفصول من فتح محمد دحلان وعائلة جودة وهي فرع من عائلة الحسيني" والذي حاول شراء العقار عام 2016 ولكنه لم يتمكن من تسديد كامل المبلغ بسبب إجراءات السلطة التي وقفت خلفها المخابرات الفلسطينية لمنع الصفقة.

وأضافت: "تم عرض خالد العطاري كمشتر جديد للمنزل، وهو ما أكدته لمياء جودة، المسجل باسمها العقار المسرب"، مؤكدة أنه "بعد أيام قليلة تم شراء العقار من قبل السمسار خالد العطاري بمبلع 2.5 مليون دولار، والذي بدوره قام ببيعه بعد 24 ساعة لشركة أجنبية؛ كانت بمثابة واجهة للجمعيات الاستيطانية بمبلغ 17 مليون دولار".

ونبهت المصادر، أن "أديب جودة التقى قبل يومين من اقتحام المستوطنين للمنزل المسرب والاستيلاء عليه منتصف ليل 2 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بمنطقة في الشيخ جراح مع خالد العطاري وأبلغ العطاري جودة أن هناك مستجدات وتطورات جديدة، وعليك أن تنتبه لنفسك".

تسهيلات مشبوهة

من جهته، أكد النائب في المجلس التشريعي والقيادي في حركة فتح محمد دحلان، على أن "عقار القدس" المسرب بيتًا فلسطينيًا مقدسيًا، حاولنا حمايته ووقف تسريبه، مشيرًا إلى أنهم مُنعوا من ذلك بفعل إساءة استخدام السلطات من قبل البعض بعد أن حجزت الأموال التي خصصت لإنقاذ ذلك العقار.

وأضاف دحلان في تصريح صحفي مساء الأحد، أنه أساء إلينا البعض باتهامات باطلة في حينه وآثرنا نحن الصمت على هذه السلطة، لتفعل شيئًا لإنقاذ العقار، لكنها لم تفعل، متهمًا البعض بفعل العكس.

وقال: الآن وبعد فضيحة تسريب العقار لقطعان المستوطنين، بحماية وتسهيلات مشبوهة من قبل متنفذين في سلطة رام الله- حسب قوله- وما أعقبها من محاولات التستر على الجريمة وحرف الحقائق عن مسارها ليس أمامنا من خيار سوى أنتم يا أهلنا في القدس.

كما ودعا دحلان، إلى تشكيل لجنة مقدسية محترمة لتضع أمام الشعب كل وقائع هذه الجريمة وفضح المتورطين فيها، محذرًا أن لا أحد سينجو من العقاب، لأنها جريمة لن تسقط بفعل عوامل التزييف والزمن.

خيانة وطنية

من ناحيته، أكد عبد الحكيم عوض عضو المجلس الثوري في حركة فتح، على أن  تسريب عقارات المدينة المقدسة وبيعها للمستوطنين خيانة وطنية، وهي الأخطر على ملف القدس والقضية الفلسطينينة بأكملها، مشيرا الى أن الضجة التي رافقت بيع عقارات مدينة القدس للمستوطنين يجب ان تستمر، كون ما حدث قضية خيانية لا يمكن ان تصنف بوصف غير ذلك.

وأوضح عوض: "الاهمال بالمقدسيين بدأ من محافظ القدس والجهات المسئولة عن ملف القدس، من خلال التواطؤ والاستغلال القذر لوضع المدينة المقدسة"، متسائلاً: "من الذي يحمي هذا السمسار، ولمن يشتري هذه العقارات التي ثبت بيعها للمستوطنين، ربما هناك قيادات متنفذة بالسلطة الفلسطينية تعمل بشكل فردي ساعدت على ذلك، أو أشخاص يحملون صفات امنية قاموا بحماية هذا الشخص، لانه لا يجرؤ كائنا من كان ان يشتري عقار فلسطيني ينظر اليه كل الفلسطينيون على انه وقف اسلامي ويبيعه بهذه الوقاحة الا اذا كان محمي بشكل فردي او رسمي".

وأردف: "لا يمكن لهذه الظاهرة ان تتوقف في ظل حالة الكيد السياسي بمنع اناس كان جل همهم وقف تسريب هذه العقارات للمستوطنين، لمجرد أن الرئيس محمود عباس وبعض الاجهزة الامنية يكرهوهم، وتركت العقارات فريسة للتجار والسماسرة الذين يبيعونها لمؤسسة او جمعية تتبع للمستوطنين، وأصبح من يبيع العقارات لجهات حريصة على حمايتها معرض للاعتقال من قبل امن السلطة".

وتابع: "ابو عمار كان يامر بتصفية كل من يبيع عقار بالقدس، لم يكن ليسمح بهذا الامر ان يتم كان حازما وحاسما عندما يعلم او تتسلل اليه معلومة عن شخص فلسطيني قام بالتواطؤ او البيع المباشر لعقارات القدس، كان يعلم تماما ان من يفعل ذلك كان يساهم في انجاح المشروع الصهيوني الذي يريد مدينة القدس عاصمة لهم"، مشيرا الى ان المشروع الفلسطيني يقوم على اساس ان القدس هي العاصمة الابدية لدولة فلسطين المستقلة.

اوضح عوض: "من يبيع عقارات القدس ليس فقط متهما بالخيانة والتواطؤ، وانما متهم في انجاح المشروع الاستعماري الصهيوني لفلسطين وبالتالي لا حكم عليه الا بالقتل، ولذلك كان الرئيس باسر عرفات حاما وخاسما وكان في كثير من الاحيان يأمر بالتعامل بمنتهى القسوة مع كل من تسول له نفسه ان يفعل ذلك".

وأردف: "غياب الموقف الرسمي الفلسطيني عن تسريب وبيع عقارات مدينة القدس يدفع بعض الخونة وضعفاء الانفس للتحرك بكل سهولة ويسر للاستمرار في هذا الغي والضلال".

الصفقة لم تكن وليدة اليوم

ويتداول كثيرون في الشارع المقدسي قصصاً عدة عن محاولات لتسريب وبيع عقارات لمستوطنين، ومنها قصة عقار عقبة درويش الأخيرة التي كانت معروفة لجهات فلسطينية عديدة، بدءاً من محافظ القدس السابق، عدنان الحسيني، مروراً بتنظيم حركة "فتح" في القدس، ووصولاً إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تمّ تحذيرها مراراً مما يتم ترتيبه في الخفاء.

وفي هذا السياق، يقول كمال أبو قويدر، وهو ناشط مقدسي تابع القضية من جذورها: "هذا العقار مباع منذ فترة، وقد نشرت عن ذلك عبر صفحتي في فيسبوك أكثر من مرة، علماً بأنّ العقار كان مشغولاً من قبل صندوق المرضى الإسرائيلي (كلاليت) وتم أخذه منه، وقد أبلغت المحافظ السابق والأجهزة الأمنية وتنظيم البلد والأوقاف الإسلامية، ومعي تسجيلات لهم بهذا الخصوص.

كما أرفقت إيصالاً من شركة الكهرباء باسم صاحب البيت الحالي، وهو رجل أعمال معروف، يدعى خالد عبد الحميد العطاري، ويدير مشاريع كبيرة في الأردن وفي كل مكان".

ويتابع قويدر "لقد نشرت أكثر من مرة عن هذا الرجل واسمه بخصوص عقارات في القدس القديمة، وأبلغت الجهات المعنية، لكن المحافظ السابق نفى أن يكون هذا الرجل قد سرّب البيت، وذكر لي في مكالمة مسجّلة، أنّ البيت وقف ولا يستطيع أحد بيعه".

ويعبّر أبو قويدر عن غضبه لتساهل السلطة الفلسطينية حيال ما يتم ترتيبه من صفقات بيع وتسريب أراضٍ وعقارات رغم علم أجهزتها بما يجري على الأرض. ويقول: "نطالب السلطة، إن كانت معنية في القدس، التصدي لهذه الظاهرة، وألا يتم إجراء أي عملية بيع إلا بمصادقتها الرسمية لتتحمّل بعد لك المسؤولية عن أي عملية تسريب لو تمّت أو قد تتم".

ولا يخفي أبو قويدر، مثله مثل المقدسيين عموماً، غضبه وصدمته مما جرى، ويقول إنّ "الأمر لن يتوقّف عند هذا العقار. هناك عقارات أخرى يجرى الترتيب والتحضير لعقد صفقات بخصوصها، خصوصاً في منطقة سوق خان الزيت. هل تتم؟ أم ستبطل قبل وقوعها؟ لا ندري. لكن مخاوفنا كبيرة".

التحقيق مستمر

من جانبه، يكشف قيادي كبير من حركة "فتح" في القدس، عن "تحقيق جار بخصوص تسريب العقار في عقبة درويش، إذ تمّ استجواب العطاري، وهناك ثغرة في صفقة البيع الأخيرة لربما تفضي إلى نتيجة ما". لكن هذا القيادي يبدو متشائماً وقلقاً من "عمليات التسريب وصفقات البيع التي تتم في الخفاء، والتي نجحت الأجهزة الأمنية في تعقّب بعضها وإفشاله، فيما تحدث في بعضها الآخر مفاجآت".

تجديد فتوى تحريم بيع الأراضي

وتعليقاً على هذه التطورات، جدّد الشيخ عكرمة صبري، في حديث مع "العربي الجديد"، التذكير بفتوى قديمة كانت قد صدرت في عام 1935 تجرّم وتحرّم تسريب وبيع العقارات والأراضي للمستوطنين. ويقول "نحن اليوم نجدّد هذه الفتوى، وكنا تطرقنا إليها أكثر من مرة"، مضيفاً "خائن وعميل من يبيع عقاراتنا وأراضينا لليهود... وتحرّم الصلاة عليه في مساجدنا، ويمنع دفنه في مقابر المسلمين. لذا أناشد المواطنين الحذر من السماسرة وعدم التفريط بأراضيهم وعقاراتهم، لأن من يفعل ذلك ملعون".

تحت سمع وبصر السلطة

ودقّت عملية التسريب الأخيرة للعقار في عقبة درويش ناقوس الخطر إزاء ما تواجهه القدس القديمة من عمليات تهويد، في مقابل تراخٍ لدى السلطة الفلسطينية في مواجهة عمليات التسريب للعقارات.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق