"هآرتس" هل ينقذ نتنياهو القدس؟!

07 أكتوبر 2018 - 05:58
صوت فتح الإخباري:

بقلم: زيفا شترنهل

عندما يتم تلخيص صورة بنيامين نتنياهو في كتب التاريخ، ويتم ذكر أعضاء حكومته فقط بملاحظات هامشية، سيظل لدينا كتلة البناء التي ستعزى لفترة ولايته.

الوزير اسرائيل كاتس بإمكانه زيادة الثمن الذي ستجبيه قرارات متسرعة، ودجل مهني في المدى القصير. ولكن عن فشل جهاز التخطيط الحضري الاسرائيلي الحالي، المتحكم به من قبل سياسيين مضغوطين، حيث ينتهي الأفق الذي يرونه عند الانتخابات القريبة، سوف تدفع الثمن بفائدة مرتفعة الأجيال القادمة. إذا تم تطبيق مخططات البناء الحالية، فهذه هي ما ستتحول إلى رمز لاسرائيل في عهد نتنياهو.

المشاكل السياسية، الاجتماعية، الثقافية المشتعلة في الدولة تنعكس جيداً في الهندسة المعمارية والبناء الحضري في المدينة الأهم في البلاد. التهور اليميني، والذي يعبّر عنه بالسعي المتواصل لتهويد المدينة مادياً ورمزياً وكذلك أيضاً بإطلاق "تهديدات أمنية" مثل معرض بربور. الفروق ما بين أحياء الفقر المهملة وبين الأحياء الفاخرة، ولا نريد الحديث عن الفجوة الفظيعة بين المدينة الغربية والمدينة الشرقية، هنا أيضاً يبرز التهويد للفضاء العام، وذلك التوجه الآخذ في التعاظم، والذي ليس فقط بلدية القدس هي التي تجد صعوبة في مواجهته.

إن سلوك جهاز التخطيط البلدي هو أيضاً لا يتم في فضاء فارغ. كما هو معروف، شبكات الدفاع المعقدة التي يوفرها القانون الاسرائيلي لا تنجح في وقف أعمال الفساد على المستوى القطري والمحلي في آن واحد. كذلك عادة تفضيل أشخاص مهنيين ضعفاء ليس أمراً مقتصراً على الجهاز المقدسي: نتنياهو نفسه قدم مؤخراً عددا من الأمثلة الواضحة تمثل هذا السلوك الفاسد. في حين أن وزيرة العدل، ايليت شكيد، تبذل ما بوسعها من أجل إعطائها شرعية ووضعها في إطار القانون.

ولكن الأكثر من ذلك أن القدس تمثل في السنوات الأخيرة ضعف الروح الاسرائيلية، بالضبط في المدينة التي كان يجب أن تكون المحافظة على صورتها الفريدة هي المصلحة الأولى في الأهمية بالنسبة للحكومة والبلدية، يتم بنشاط تقديم مخططات ستدمر المشهد الطبيعي التاريخي الأهم. هذه المقاربة تخبرنا عن جهاز تعليم فيه يتحول التاريخ إلى موضوع هامشي في المدارس، والعلوم الانسانية تتضاءل وتفقد مكانتها في الجامعات. وأفكار بربرية مثل تدمير دائرة المشهد الطبيعي التي تحيط بأسوار البلدة القديمة عن طريق قطار هوائي، وإنشاء كتلة بناء ضخمة بالقرب من عين كارم، ستغطي تماماً على القرية التي تحولت إلى واحد من المراكز السياحية الأهم في المدينة – سواء القرية القديمة لفتا أو شارع تجاري يحافظ على ذكرى بداية عهد الانتداب البريطاني - ستمثل في المستقبل فصلاً مظلماً في تاريخ المدينة والدولة معاً. هذا الواقع هو ساعة اختبار لمجتمع المهندسين المعماريين.

إن حقيقة أن عدداً من أهم المهندسين المعماريين في البلاد انضموا إلى النضال ضد القطار العلوي، هذا النضال لذي يراكم المزيد من الزخم، ومن بينهم موش سيفدي، موشي مرغليت، امنون بار أور، هو علامة مشجعة. أن إقصاء المهندسين المعماريين عن الصورة العامة ينبع في المقام الأول من حقيقة أن صوتهم كمجموعة ضغط مستقلة لا يتم سماعه. هكذا خُلق لدينا واقع غير مفهوم، فيه تم إقصاؤهم من كل لجان التخطيط، بما فيها حتى القطرية. هكذا أيضاً كان بالإمكان تعيين أشخاص مهنيين غير مناسبين، بما في ذلك عادة تعيين خريجي أقسام الجغرافيا لوظائف مثل مخطط منطقة القدس. أو مسؤولين عن الصيانة في الوزارات الحكومية.

هذه الوظائف المهمة تتطلب ليس فقط تجربة أو معرفة غنية، بل أيضاً حداً أدنى من الإحساس الجمالي وتأهيلاً في مجال التصميم. ليس صدفة أنه تم تعيين محام ليرأس اللجنة اللوائية للتخطيط في القدس، وسمح وزير المالية لنفسه بتعيين أفغدور يتسحاقي، وهو مدقق حسابات نشيط لكن ليس لديه أي مؤهلات في مجال التخطيط، ليرأس لجنة البنى التحتية الوطنية. وليس مصادفة أيضاً أنه ألقى على اللجنة هذه مهمة أن تقرر في مصير القطار العلوي في القدس، والذي قارنها يسحاقي بمنشأة تزلج.

مشكلة أخرى لا تحظى باهتمامٍ كافٍ تتعلق بجهاز التعليم المعماري. منذ تأسيس "التخنيون"، والذي فيه تعلم في السابق معظم المهندسين المعماريين، تم التركيز في المؤسسات الأكاديمية في البلاد على الجوانب العملية للمهنة. التاريخ والنظرية أهملت أمام الإعجاب بالتكنولوجيا وتبني أعمى لأسطورة الحداثة. النتيجة كانت وما زالت ميلاً لاستيراد سطحي للأفكار، منذ تطبيق نظريات "باو هاوس" و"لاكوربوزييه" في القرن الماضي، وحتى تبني الحلول المدهشة لـ"إخلاء البناء" و"استخدامات متداخلة". حتى إذا حدث تحسن في السنوات الأخيرة، بقي الميل لتطبيق أفكار بدون مراعاة السياق الفريد. هكذا مثلاً، الفكرة الخرقاء باخلاء الأحياء الفقيرة ونقل سكانها إلى أبراج لا يستطيع ساكنوها دفع تكاليف صيانتها، أو انشاء أحياء سكنية ذات استخدامات متعددة، حيث لا يوجد للمناطق التجارية منها أي امكانيات تجارية، وخلوها يخلق شعوراً بالتخلي والاغتراب.

في واقع كهذا، حيث عندما قرر تيدي كوليك استدعاء لجنة خبراء دوليين، لفحص تخطيط مقدسي، بدا ذلك كتاريخ من كوكب آخر، فليس من المستغرب أن نعرف ماذا يُعد أصحاب المهنة الآخرون للمستقبل المادي للمدينة. لهذا فإن مخططة اللواء، شيرا تلمي بابا، تتطرق لسنغافورة كنموذج للبناء المكثف في القدس، وتحلم بمدينة أبراج، قطارات هوائية، وأدراج متحركة، (The marker 7.4). ومهندس المدينة، شلومو أشكول، والذي لم تقنعه 10 سنوات في وظيفته أن القدس هي مدينة فريدة مميزة، لم يتردد في أن يقدم مخططاً لإعادة تشكيل مدخل القدس، والذي فيه تم محو كل ذكر لمبنى تاريخي، يعطي للقادمين للمدينة صورة لمدينة حديثة مجهولة.

أشكول، مثل المسؤول عن الصيانة في وزارة السياحة، أورلي زيف، لا يرون أي مشكلة في تنفيذ مشروع القطار العلوي، والذي يثير صدمة لدى مهندسين معماريين في البلاد والخارج.

سيفدي حذر من أن القطار العلوي سيشكل مكرهة بصرية خطيرة، وعلى الأقل سيتحول إلى نقطة جذب سياحية تناسب "دزني لاند" ولن يحل مطلقاً مشكلة الاكتظاظ في البلدة القديمة، أيضاً البروفيسور موشي جبعوني، خبير المواصلات من جامعة تل أبيب، أبدى انطباعاً بأنه لا يوجد هنا حل حقيقي في المواصلات. وسكان القدس ليسوا بحاجة له مطلقاً (هآرتس 17.9). وهي استنتاجات تضع علامات تساؤل على المشروع كله.

ولكن هنالك احتمالية بأن انقاذ القدس سيأتي بالضبط من جهة غير متوقعة: من رئيس الحكومة نفسه. إذا كان ابن المؤرخ، والذي بدأ طريقه بدراسة الهندسة المعمارية سيستيقظ وينقذ نفسه من إهانة وحل السياسة الحزبية الضحلة، والغارق فيه حتى ذقنه، يمكنه أن يفحص الواقع من منظور جديد. هكذا يمكن أيضاً أن يعترف بحقيقة أنه إزاء قرارات خاطئة في مجالات أخرى، والتي بالإمكان تغطيتها بستارة من الدخان والعلاقات العامة، فإن صورة القدس، كما سيتم تشكيلها في السنوات القريبة القادمة، من شأنها أن تتحول إلى رمز يسوِّد اسمه في كتب التاريخ للأمة.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق