معاريف / تحذير روسي

29 سبتمبر 2018 - 06:49
صوت فتح الإخباري:

بقلم: يوسي ملمان

قبل ساعات من دخول يوم الغفران غفر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن اسقاط طائرة اليوشن الروسية في سوريا وعن موت 15 من رجال طاقمها ومسافريها. او على الاقل هكذا بدا الامر علنا. فقال بوتين: "هذه نتيجة سلسلة ملابسات مأساوية".

هذا تصريح هام إذ ان روسيا كان بوسعها أن ترد ايضا بشكل مختلف واكثر شدة بكثير. هكذا بالضبط فعلت عندما أمر الرئيس التركي في تشرين الثاني 2015 باسقاط طائرة قتالية روسية، تسللت أو هددت بالتسلل الى اراضيه. وعندها لم يقتل سوى جنديين روسيين – الطيار ورجل طاقم الجو الذي ارسل للبحث عنه. في اعقاب الحادثة دعا بوتين السياح الروس الى عدم الاستجمام في تركيا، وكان الضرر الذي لحق بفرع السياحة لدى أنقرة جسيما.

ولكن في تصريحه قبل دخول يوم الغفران قال بوتين ايضا ان وزارة الدفاع في بلاده نسقت معه البيان الحاد الذي نشرته بعد الحادثة. واتهمت اسرائيل في البيان بالاستفزاز وشدد على ان روسيا تحفظ حقها في الرد. 

يمكن الافتراض بان التفسيرات التي سارع سلاح الجو الاسرائيلي الى نقلها الى نظيره الروسي، وكذا مكالمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع بوتين، ساعدت على تهدئة الخواطر في الكرملين. مع انهم في الجيش الروسي وفي سلاح الجو فيه كانوا يعرفون الحقيقة قبل ذلك. كما كانوا يعرفون ايضا بان الادعاء وكأن طياري سلاح الجو استخدموا الطائرة الروسية مثابة "درع بشري" او للتمويه، كي لا يكتشفوا وهم في طريقهم الى الهجوم، هو ادعاء مدحوض.

حسب بيان الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي، فقد اسقطت الطائرة الروسية بمضادات سورية بعد ان مرت ربع ساعة على عودة طائرات سلاح الجو الى  اسرائيل. ولكنه سيتعين على اسرائيل أن تجتهد اكثر كي تثبت براءتها وصحة ادعاءاتها. ولهذا الغرض سيسافر الى موسكو هذا الصباح وفد برئاسة قائد سلاح الجو اللواء عميكام نوركين مع كل المعطيات ذات الصلة: صور شاشات الرادارات، التسجيلات في شبكة الاتصال في زمن الهجوم وغيرها من الادلة.

لا بد أن اسقاط الطائرة الروسية يخدم مصلحة نظام بشار الاسد، الذي يفهم لعبة الكرملين المزدوجة. روسيا تتعاون مع النظام، وفي واقع الامر جيشها انقذ الاسد من هزيمة امام الثوار وابقاه في الحكم. ولكن روسيا توافق ايضا بالصمت على هجمات سلام الجو في سوريا، الموجهة ضد مساعي ايران لتثبيت تواجدها في سوريا ونقل العتاد المتطور لتحسين دقة الصواريخ لدى حزب الله في لبنان. 

هذه لعبة مزدوجة او ثلاثية يتميز بها بوتين وتتواصل منذ نشرت بلاده قواتها في سوريا قبل أكثر من ثلاث سنوات. لعبة هي ايضا نتيجة فهمه للواقع المعقد في سوريا. فهو يدعم الاسد ويحميه، يتعاون لهذا الغرض مع ايران وحزب الله، بل ويسمح لاسرائيل ايضا بمهاجمة اعدائها ولا يتدخل في الاحتلال التركي لاجزاء في شمال سوريا وفي حربهم ضد الاكراد السوريين. ولكن ينبغي ايضا التعاطي بجدية مع قسم آخر من اقوال بوتين، الذي شدد على أنه "بالنسبة لخطوات الرد، فهي ستوجه أولا وقبل كل شيء لتعظيم أمن رجال الجيش والمنشآت الروسية في سوريا، وهذه ستكون خطوات يراها الجميع".

يمكن الافتراض من هذه الاقوال بان اسرائيل ستضطر الى تحسين تنسيقها مع روسيا، كي لا تتكرر احداث كهذه. عملي، كادت هذه تكون معجزة أنه لم تقع حتى اليوم احداث شاذة كهذه او ما يشبهها. فقد قيل في روسيا  ان البيان الاسرائيلي عن الهجوم المتوقع نقل من خلال الخط الساخن بين وزارة الدفاع في تل ابيب وغرفة الطواريء في السلاح الروسي في قاعدة حميميم قرب اللاذقية، قبل دقيقة فقط من بدئه. وللمقارنة، عندما هاجمت الولايات المتحدة قبل سنة ونصف بصواريخ تومهوك قاعدة لسلاح الجو السوري ردا على استخدام السلاح الكيماوي، نقل البيان الى الروسي قبل ربع ساعة من موعد الهجوم.

بيانات التنسيق الاسرائيلية الى روسيا ليس فقط لا تسلم الا قبل وقت قصير من الهجوم بل وهي عمومية جدا ايضا. فلا ينقل لهم ماذا ستكون الاهداف التي ستتعرض للهجوم. ويمكن الافتراض بانهم في هذا الموضوع على الاقل سيحدث تغيير. وستضطر اسرائيل الى أن تستبق ببضع دقائق الاخطار بالهجوم بل وربما ان تدقق اكثر بالنسبة للمنطقة التي ستتعرض للهجوم. ولكن لا يزال، لاسرائيل، التي شددت جدا الهجمات في الاشهر الاخيرة بل وتجرأت على الهجوم في اللاذقية، على مسافة غير بعيدة نسبيا عن القاعدة الروسية، حرية عمل ومناورة للعمل في سوريا. بوتين، لم يقل لا بعد. وبتعابير كرة القدم لم يرفع الان لاسرائيل سوى بطاقة صفراء.

 

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق