"هآرتس" اليهود وسوق القطانين

22 سبتمبر 2018 - 09:11
صوت فتح الإخباري:

بقلم: نداف شرغاي

في أحد قصور العائلة الملكية الاردنية في عمان تعلق صورة عمرها 133 سنة بريشة الرسام الألماني غوستاف باورن فاينر. قام مبعوثو الملك حسين (والد الملك عبد الله) بشراء هذه الصورة له في ألمانيا. ليس من الصعب التخمين ما الذي جذب الملك حسين لهذه الصورة. فهي تمثل سيادة وسيطرة إسلامية على المكان الأول في قداسته لليهود والثالث في قداسته للمسلمين، وقد اعتبر الملك حسين نفسه وصياً على الأماكن الاسلامية المقدسة في القدس حتى بعد العام 1967.

وصف باورن فاينر لوحته في رسالة أرسلها الى اخته في بيروت بهذا الشكل: "لقد بدأت برسم لوحة "يهود في بوابة الحرم في القدس". هذه الفكرة دون تمالك نفسي هي جيدة جدا. قبل باب سوق القطانين فقط يهود يمدون أعناقهم بهذه الدرجة أو تلك نحو جنة عدن خاصتهم التي تشع في ضوء الشمس بعدة الوان. قبب وحجارة رخام كانت في السابق "الهيكل الوطني" لهم. حارس البوابة، تقريبا قلت حارس "الهيكل"، يمنعهم الآن من الدخول. في الداخل يتجول وينتشر المسلمون وهم يلبسون الوانا زاهية، مفارقة جيدة أليس كذلك؟".

في السنوات الأخيرة وبالتدريج يعود اليهود الى باب القطانين، الذي يتوسط سبعة أبواب في الحائط الغربي للحرم. هم يأتون الى هناك في 9 آب وفي أمسيات ايام السبت وفي الاعياد وفي الايام العادية، بالاساس يأتي اليهود المتدينون؛ غالبا بصورة فردية واحيانا بمجموعات. طالما أن قدومهم واحيانا ايضا صلاتهم هناك لا تخلق ازعاجا أو تخل بالنظام فان الشرطة تسمح لهم بالوقوف والصلاة والنظر الى الداخل، إلى "أرض الميعاد"، التي لم يتم الحصول عليها، "الحرم"، بالضبط مثل اليهود في لوحة فاينر.

تحول باب القطانين في السنوات الاخيرة إلى نقطة جذب للزوار والمصلين اليهود، لأنه يقع على حدود "حائط المبكى"، بالضبط امام "قدس الاقداس" وسط قبة الصخرة. هذا المكان قريب من المكان المقدر لـ"قدس الاقداس" اكثر من ساحة الصلاة الرئيسية في اسفل "حائط المبكى" في منطقة باب الحديد الواقعة في قلب الحي الإسلامي. اليهود الذين يمنعون انفسهم بصورة شرعية من الصعود الى الحرم، يأتون الى هنا ليس فقط ليكونوا قريبين جدا من الحرم دون الدخول اليه، بل ايضا من اجل مشاهدته عن قرب، الامر الذي هو غير ممكن اثناء وجودهم في ساحة "حائط المبكى" الكبيرة أو الصغيرة. كلتاهما تقطع حقل الرؤية باتجاه الحرم. هذا التقليد ليس جديدا لكنه يتجدد الآن. في سقف الحوانيت المربعة قرب باب القطانين كانت معلقة طوال سنوات سلسلة من الحديد. يهود القدس حرصوا على عدم اجتياز السلسلة. هم تطلعوا منها باشتياق نحو المكان المقدس.

طواحين قمح وحمامات
باب القطانين، الواقع في الحائط الغربي للحرم، كان أحد أماكن الصلاة الكثيرة لليهود على طول "حائط المبكى". وجزء من الواقع غير المعروف اليوم: حتى قبل تخصيص الحكم العثماني في القرن السادس عشر "زقاق المبكى" (بعد ذلك ساحة حائط المبكى) لصلاة يهودية منظمة فان اليهود قاموا بالصلاة على طول "حائط المبكى"، شمال وشرق تلك المنطقة. هم صلوا ليس فقط في باب القطانين بل أيضا في عدد من النقاط الاخرى، منها كنيس "اور حداش". في الحائط الصغير الواقع شمال باب الحديد في البيت المقدس ران/ الذي يقع في سوق القطانين وقرب باب السلسلة، قرب باب المغاربة، وفي الكنيس في ساحة الحاخام بيشل لافن قرب باب المجلس، وحتى قرب الزاوية الجنوبية الغربية للحرم.

عالم الآثار، البروفيسور دان باهر، يقول بهذا الشأن في أبحاثه إن الاقتباسات الواردة في وثائق القاهرة التي تم إحضارها من قبل الجانب اليهودي في محكمة "حائط المبكى" (في عهد الانتداب) دلت على علاقة اليهود بـ"حائط المبكى". لكنها لم تتطرق كما يعتقد خطأ لمنطقة الزقاق (اليوم الساحة) المعروفة، بل لمكان صلاة اكثر نحو الشمال قرب "حائط المبكى" امام قدس الاقداس، ربما حتى في منطقة باب القطانين.

ما عزز الوجود اليهودي في باب القطانين وفي المنطقة المجاورة له هو سكن اليهود في هذه الاماكن، الذي انتهى في أحداث العام 1929. احد اليهود المشهورين، الذين سكنوا في المكان، كان الحاخام يوسف شفارتس من الباحثين المعروفين في "ارض اسرائيل" وصاحب كتاب "فوؤوت هآرتس". وقد سكن حسب شهادته قرب حمام الشفع، الذي كان الدخول اليه من سوق القطانين. كان اليهود يأتون لهذا الحمام، وكذلك الى الحمام المجاور "حمام العين" واستخدموهما بشكل دائم. في شارع الدكاكين، الذي يؤدي الى باب القطانين، كان يقع في السابق ايضا عدد من طواحين القمح الصغيرة التي شغلها اليهود. إحداها اشتريت في نهاية القرن التاسع عشر من قبل عائلة بيرمان. من أصحاب المخبز "بيرمان"، وقربها عمل ايضا القبو المعروف لعائلة شور.

يصف التلمود هذه الحوانيت فيقول "اربعون سنة قبل هدم الهيكل كان هناك سنهدرين في مكان الحوانيت، لكن البحث يميل الى افتراض أن هذا الوصف خاطئ. بالمناسبة باب القطانين يقع فوق باب أقدم – باب فيرن، الذي يقع في أعماق نفق "حائط المبكى". حسب تقدير فاينر، في فضاء باب فيرن كان يوجد كنيس في العهد الاسلامي القديم، شبطي زكاريا، الباحث في شؤون القدس، الذي توفي قبل سنة، أحضر التقدير الذي قدره فيرن والذي يقول إنه تحت باب القطانين، الذي هو باب كيفونوس الذي ذكر في احدى الوثائق كباب غربي للحائط. في المقابل عالم الاثار مئير بن دوف يعتقد أن باب كيفونوس هو بالتحديد باب باركلي الذي اكتشف تحت باب المغاربة.

اليهودي المعروف جدا، ابن الاجيال الاخيرة الذي عاش في منطقة الحوانيت التي تؤدي الى باب القطانين، كان محيي اللغة العبرية، اليعازر بن يهودا، الذي يشهد على سكنه في المكان، ويقول: "لقد أصبحت صاحب بيت في القدس. لقد قمنا باستئجار شقة وسنبدأ بالعيش الحياة كاصحاب بيوت هنا". شقته كانت في ساحة صغيرة قرب الحرم، الذي داخل جدرانه من اليمين واليسار ترى فتحات مغلقة بالحجارة والتراب وتظهر كفتحات لحوانيت من العهد القديم. واليهود في القدس يقولون إن هذه هي الحوانيت التي ذكرت في التوراة".

لوحة فاخرة
واقع الحياة المشتركة بين اليهود والعرب، الذي كان في سوق القطانين عند قدومك من باب القطانين، هو مكان سجلت فيه فقط قبل اسابيع معدودة محاولة اخرى لعملية ضد شرطي كان يقف في المكان، هذا الواقع وصفه الكثير من الكتاب في العصور السابقة. الكاتب والمؤرخ يعقوب يهوشع، والد الكاتب أ.ب. يهوشع، يتحدث أنه الى جانب الزوار العرب، كان الزوار اليهود للمراحيض في سوق القطانين بالاساس السفارديم وابناء الطوائف الشرقية الاخرى، في حين أن اليهود الاشكناز فضلوا الاستحمام في الحمامات القريبة من الكنيس "حوربا" الذي يقع في الحي اليهودي.

ايضا البروفيسور يوسف يوئيل ريفلين، والد الرئيس رؤوبين ريفلين، وصف في مذكراته الواقع الذي تطور في الحمامات في منطقة باب القطانين. يقول ريفلين ان جزءا من اليهود امتنعوا عن القدوم لحمام العين؛ لأنهم اعتقدوا أنه يدخل في حدود الحرم. ويشير الى أن هذه الحمامات كانت من الاستجمام القليل الذي يمكن للشخص اليهودي أو العربي الذي يعيش في القدس أن يسمح لنفسه به في حينه (نهاية العهد العثماني).

سوق القطانين بناه الامير الناصر تنكز حاكم دمشق في الاعوام 1336 – 1337 على اساسات سوق صليبي مهدم بأمر من السلطان المملوكي ابن قلوون. السوق، الذي طوله حوالي 100 متر، يفضي الى الحرم من شارع باب الواد. الباب الذي في نهايته، والذي واجهته تتجه للداخل نحو الحرم وليس تجاه الخارج، هو احد المنتجات الفاخرة للفن المعماري في ذلك العصر. هو اقصر من باقي الابواب الموجودة في "حائط المبكى". ومن الادراج تنزل اليه من مستوى الحرم.

من خططوا السوق ارادوا ان يقودوا الزوار الى الحرم عبر مركز تجاري اصلي، يشبه المجمع التجاري في هذه الايام. خصص جزء من المداخيل لتمويل النشاطات الدينية في المدرسة التنكزية المجاورة التي اقامها الناصر تنكز. اسم سوق القطانين اخذه السوق بسبب أنه تحول الى مركز محلي لصناعة القطن، التي أعالت المنجدين الذين فصلوا بذور القطن عن الشعيرات التي غلفت القطن. على مر السنين تم هجر المكان، معظم الحجاج فضلوا المحور الشمالي، "ساحة داود". وشارع باب السلسلة كمحور مفضل لزوار الحرم.

مع ذلك، على الاقل حسب احدى الشهادات من كتاب رحلات الحاخام موشيه بسولا في 1522 كان منظر السوق ما زال مؤثرا: "يوجد احد الاسواق هو أجمل منها جميعا"، سجل بسولا "كله حوانيت قطن، وعلى رأس هذا السوق بوابة تفضي الى الحرم سميت باب القطن".

الحوانيت في سوق القطانين كانت مهجورة لسنوات كثيرة، الابواب الجميلة لها تحطمت خلال الحرب العالمية الاولى من اجل استخدام الخشب للوقود. والحوانيت نفسها امتلأت بالقمامة.

فقط بعد حرب "الايام الستة" قامت إسرائيل بترميم المكان وأعطته للاوقاف الاسلامية التي قامت بتأجير الحوانيت لتجار مسلمين. اسرائيل ايضا منحت الشارع اسمه الحالي، شارع سوق القطانين. الآن كما قلنا يعود اليهود الى المنطقة، لكن ليس لأهداف السكن بل للزيارة، الصلاة، والنظر الى ساحات الحرم من باب القطانين.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق