حماس الجُغرافيا وفتح التاريخ

17 أغسطس 2018 - 11:24
أشرف أبوخصيوان
صوت فتح الإخباري:

منذ أن صعدت أقدام حركة حماس على سُلم الإدارة والحكم في الأراضي الفلسطينية، وذلك بعد الانتخابات التشريعية التي جرت للمرة الأخيرة في العام 2006م، أصبحت الحركة أكثر برغماتية، ولأن الاختلاط بالحكم والإدارة وهموم المواطن اليومية، هو من أوصلها للحالة التي عليها الان، فقد نجحت مؤخراً في استثمار ثورة مسيرات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة، وتجنيد أهدافها لخدمة القضايا الأكثر أهمية للمواطن الفلسطيني، من خلال فتح باب جديد من العلاقات مع مصر من جانب ومع الأمم المتحدة من جانب اخر، بهدف التوصل لبوادر حلول تجني فيها حركة حماس، ثمن تضحيات المواطن الفلسطيني خلال ال12 عاماً الماضية من حكمها لقطاع غزة، وما تبع ذلك من حصار واغلاق وانقطاع مستمر للتيار الكهربائي، ووصول مستوى الفقر الي 80% بين صفوف مواطني القطاع. 
ترغب حركة حماس ومن خلال حديثها المتكرر عن تعويض المواطن في قطاع غزة عما لحق به خلال السنوات الماضية، لإنجاز كبير يُسجل في تاريخها بأنها، لم تفاوض الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر، وأنها لم تقبل بصفقات مشبوهة من أجل توطيد حكمها في القطاع، وأنها لا زالت تملك ترسانة من الأسلحة والانفاق تُهدد بها أمن الاحتلال الإسرائيلي في أي وقت تُريد استخدامها، لقد استفادت حركة حماس من جغرافيا قطاع غزة المحاصر، وراهنت على صمود المواطن في القطاع من أجل تحقيق أهدافها، ولم تُسجل حالة ثورية واحدة ضد حكم حركة حماس في القطاع طوال ال12 عام الماضية، ولم يتمرد موظفوها رغم أنهم يتقاضون راتباً لا يؤهلهم للعيش الكريم، ولم تُسجل تجاوزات أمنية خطيرة في قطاع غزة بانتشار ظاهرة المسلحين والملثمين في الشوارع وقطع الطرق، ولم تحدث حالات الفلتان الأمني، منذ أن سيطرت حركة حماس على القطاع في يونيو 2007م، ومنذ هذا الوقت فقد تسابقت قوى إقليمية وعربية وفلسطينية على حصار القطاع ومحاولة تركيع حركة حماس، وترويضها للقبول بأدنى الحلول والفرص من أجل اخراج القطاع من هذا المستنقع، ولكن ما حدث هو العكس تماماً فقد صمدت حماس وصمد معها المواطن في القطاع، رغماً عن الحروب الثلاث التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، ورغم سنوات الحصار العجاف، ورغم انعدام فرص العمل واغلاق المعابر، إلا أن برغماتية حماس نضجت أكثر فأكثر وأجادت اللعب على التناقضات الدولية والإقليمية والمحلية، وسخرت من قطر وتركيا وايران وماليزيا وبعض الدول نصيراً وحليفاً لها يُقدم لها المساعدات من أجل ضمان صمودها، كمحور للمقاومة في الأراضي الفلسطينية ورافضة للسياسات الإسرائيلية والأمريكية.
حماس نجحت في اذابه كرة الثلج بينها وبين مصر من خلال تفاهمات سبق وأن أُعلن عنها في ابريل من عام 2017م، بينها وبين تيار النائب محمد دحلان، كان تهدف لتحسين ظروف المعيشة في القطاع من خلال امداد القطاع بالسولار المصري وتقديم بعض المنح المالية من دولة الامارات، وتم تشكيل مؤسسة تكافل للعمل الاجتماعي والاغاثي، تلك النافذة استثمرت فيها حركة حماس بشكل كبير حيث أعادت علاقتها مع الجارة مصر إلى مربع الثقة والعلاقة الاستراتيجية المبنية على محاربة الإرهاب والحفظ على امن سيناء وتأمين الحدود، والتوافق على الدور المصري في ملف المصالحة الفلسطينية، تلك العلاقة جعلت حماس محط اهتمام من قبل الأمم المتحدة، من أجل تحسين الظروف المعيشية لسكان القطاع، بعد تخلي السلطة الفلسطينية عن القيام بواجبها ودورها في القطاع، وبعد فشل جولات عدة من المصالحة الفلسطينية، وخشية من تدهور في الوضع الاقتصادي والإنساني في القطاع، يُنذر بحرب جديدة في القطاع، تكون عواقبها وخيمة على مواطني القطاع، فقد زار نيكولاي ميلادينوف قطاع غزة مرات عديدة وكان الهدف من الزيارات هو عقد لقاءات مع قادة حماس، بهدف التوصل لصيغة مقبولة من أجل تنفيذ صفقة اغاثية وإنسانية تهدف لتحسين الحياة في القطاع، هكذا استفادت حركة حماس من جغرافيا قطاع غزة، من خلال احكام السيطرة في البداية، وتسليم القطاع وديعة أمام جهاز المخابرات المصرية قُبيل اتفاق المصالحة في أكتوبر من عام 2017م، عندما قبلت بحل اللجنة الإدارية الخاصة بإدارة قطاع غزة، وإتاحة الفرصة لحكومة الرئيس محمود عباس بتسلم مهام عملها في القطاع قبل أن تصطدم بمصطلح التمكين، وتفجير موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله ورئيس جهاز المخابرات ماجد فرج في القطاع في مارس الماضي.
منذ أن خسرت حركة فتح الانتخابات التشريعية في عام 2006م، بدأت بممارسة المعارضة لأسلوب وفكر حركة حماس في كيفية ادارتها لشئون البلاد، خاصة بعد أن بدأت موجه نقص الرواتب وعدم انتظامها في ذلك الوقت، وشروط إسرائيل بضرورة اعتراف حماس بإسرائيل، وما قابله ذلك من رفض للحركة، ودخول القطاع بالتحديد في مواجهه مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي فُرضت عليه العقوبات، بهدف السعي لتغير نظام الحكم في القطاع، واجراء انتخابات تشريعية مبكرة، تلك الفكرة، أدخلت الحركتين في مواجهه صعبة، أفضت لسيطرة حركة حماس على القطاع، وانسحاب قيادات حركة فتح من المشهد في قطاع غزة بالتوجه للضفة الغربية.
حرصت حركة فتح على إقامة مملكة خاصة بها في الضفة الغربية، كان عنوانها الأسمى إقامة كيان فلسطيني خالي من السلاح، يحمل فكر المقاومة الشعبية، ويعتمد على النهضة الاقتصادية والاستقرار السياسي والأمني، بهدف عدم تكرار تجربة القطاع، نجحت حركة فتح في ذلك وبسطت سيطرتها على مقاليد الحكم في الضفة الغربية، بهدف الحفاظ على ماء وجهها وتاريخها في النضال الوطني الفلسطيني، وهي صاحبة الرصاصة الأولى، ومفجرة معركة عيلبون، وحامية المشروع الوطني الفلسطيني، القارئ والمتتبع لتاريخ حركة فتح، يجد أنها مؤمنة ايماناً مُطلقاً بالفكر الثوري، ولكن ذلك الفكر غاب عن أجندتها خلال السنوات الماضية في ظل حكم الرئيس محمود عباس، من خلال ايمانه بأهمية المفاوضات وأنها الطريق الأسمى للوصول لحلم الدولة الفلسطينية، وأن المقاومة السلمية هي الطريق المساند لتلك الفكرة من أجل احراج الاحتلال الإسرائيلي في المحافل الدولية، وتسخير الجهود الدولية والدبلوماسية في إضفاء شرعية جديدة للقضية الفلسطينية من خلال اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة غير عضو، ولكن جهود الرئيس عباس حُكم عليها بالموت بعد أن وصل نتنياهو إلى مقاليد الحكم في إسرائيل، ومن ذلك الوقت توقفت عجلة المفاوضات عن الدوران، وبات الاستيطان يلتهم الأراضي في الضفة الغربية شبراً شبراً.
لقد سعت حركة فتح خلال السنوات الماضية لإنهاء الانقسام عبر قبول جميع المبادرات العربية والدولية، وعقدت لقاءات عدة مع حركة حماس للخروج من مستنقع الانقسام، الا أن تلك الجهود لم تنجح لغاية الان، وخلال تلك السنوات أخدت الحركة على عاتقها استخلاص الدروس والعبر من نتائج الانقسام، وعقدت مؤتمرين لها لتجديد الوجوه وضخ دماء جديدة في صفوفها، ولكن ذلك لم يساعدها على تغيير قناعة الشارع الفلسطيني في أسلوب حركة فتح، ذلك الأسلوب الذي انتهجته في المراهنة على الشارع الفلسطيني وتحديداً في قطاع غزة برفض حركة حماس والتمرد عليها والانقلاب عليها، ذلك الأسلوب الذي أثبت فشله، ولم ينجح، بل بات واضحاً ذلك من خلال فرض عُقوبات على موظفي القطاع واختزال رواتبهم، وعدم التزام السلطة في العديد من التزاماتها تجاه القطاع.
تاريخ حركة فتح الان على شفى حفرة كبيرة، لابد من انقاذ ذلك التاريخ خاصة أن ما يُحاك في الخفاء ضد قطاع غزة تحت ذرائع الصفقات الاغاثية وتحسين الظروف المعيشية، يهدف للنيل من القضية الفلسطينية، فإن تمت تلك الصفقات فهي مقدمة للانفصال.
التاريخ لن يرحم حركتا فتح وحماس لمشاركتها في تقسيم البلاد، والاستمرار في الانقسام، فغزة لا تمثل جغرافيا الوطن وحدوده ومقدساته ومقوماته الوطنية، والضفة الغربية لا تُمثل وحدها التاريخ الحافل للنضال الوطني الفلسطيني، هناك مؤسسة اسمها منظمة التحرير الفلسطينية يجب تطويرها ودخول الجميع تحت طوعها لأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، وهناك مدينة مُقدسة لا زالت تحت الاحتلال تنتظر التحرير واعلانها عاصمة للدولة الفلسطينية.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق