شمس الدين .. جني أبيض!

19 يونيو 2018 - 07:55
حسن البطل
صوت فتح الإخباري:

هذا المجنون ابن قرية البازورية، اللبنانية الجنوبية، يُقسم، بينه وبين نفسه، أن يسلّط شيطانه الإبداعي، فتغدو «بوّابة فاطمة» مدعاة لجنون الإسرائيليّين.. على نحو آخر.
هذا الفنان التشكيلي محمد شمس الدين، الذي يتعاطى الشعر أحياناً، ويعتاش من دكتوراه فرنسية في التصميم، يثير إعجاب تلامذته في الجامعتين: اللبنانية والأميركية في بيروت.
إذا كنت قرأت «الضوء الأزرق» للدكتور حسين البرغوثي (الذي يثير إعجاب تلامذته في بيرزيت) فسوف تقول: الأوّل، اللبناني، يكتب بالألوان؛ والثاني، الفلسطيني، يرسم بالكلمات.. والاثنان من عمر واحد ولا يتعمّدان، ببساطة، أن يثيرا جنون أحد، قارئاً أو مشاهداً، لأنّ العاقل الحقيقي.. مشروع مجنون!
خَطَرَ في بالِ الفلسطيني - اللبناني نصري الحجّاج الذي جلب اللوحات، أن يسأل زعيم «حزب اللّه» السيد حسن نصر اللّه رأيه في «زميله» الفنّان محمد شمس الدين.. فتجاهل الأوّل السُّؤال.
في مرّة سابقة بتونس، دون أيّ قصد، اصطحب الصحافي نصري صديقه الفنان شمس الدين إلى زيارة السياسي العراقي المنفي محمد فاضل الجمالي. هناك، بكى شمس الدين كما لم يبك. أخيراً، تعرف إلى رجل من جيل أبيه ويعرفه عن قرب، فقد كان زميله في دراسات «النجف الأشرف» حيث العتبات المقدّسة.
ما اسم والدك؟ سأل المرحوم فاضل الجمالي، وزير خارجية نوري السعيد، أجاب الشاب: محمد مكي شمس الدين.
كان محمد جنيناً في بطن أمّه، عندما وافت المنيّة والده، وقبل أن يُكمل الرضاعة من ثدي أمّه في النجف الأشرف، وجد نفسه في كنف جدّه في قرية البازورية، لأنّ أمّه تزوّجت رجلاً آخر.
لا شقيق ولا شقيقة، ولا حتّى صورة فوتوغرافية للأب أو للأم. وما من أحد في البازورية يتذكّر وجه الأب والأم.. وفي تونس، فاض محمد شمس الدين بالبكاء. أخيراً، وجد إنساناً على قيد الحياة كان زميلاً في النجف الأشرف لوالده.
في مطلع شبابه، فكّر محمد شمس الدين أن يصير «ملّا» من خريجي الحوزات في النجف. هناك، كان على مقاعد الدراسة شاب في مثل عمره تماماً، يدعى حسن نصر اللّه، الذي يلقي، اليوم، الخطابات الانتصارية.
محمد شمس الدين، الذي لم يجد نفسه مقاتلاً يحمل الكلاشنكوف، وجدها مصمّماً صحافيّاً في مجلاّت فصائل «م.ت.ف»، مثله مثل زميلنا السوري (الكردي) فصيح كيسو أحد مخرجي «فلسطين الثورة» الذي ما لبث أن حاز على جائزة التصميم في لبنان.
.. وها نحن نجد شمس الدين الضال في الفن، مع اثنتي عشرة لوحة مائية في مركز القطّان برام اللّه. قد نقول - لولا التداعيات السيّئة - إنّها «لوحات شيطانيّة» وفيها يدعونا، بالكلمات المباشرة والرموز السحرية، العتيقة جدّاً، وفضاءات اللون إلى «الخروج إلى الخلاء، حاملين رقى وخرزاً أزرق، باتجاه الشمس، والكواكب الحليفة المشاركة بالثورة...» لـ»مساعدتنا على تدمير أحلامكم الصهيونيّة».
إنّه يخاطب معشر الإنس بلسان معشر الجنّ. ما هو «القرين»؟ لعلّه الجني الأبيض لكلّ إنسان أسود، أو الجني الأسود لكلّ إنسان أبيض.
عن كلّ ما يُدهش يقول اللبنانيّون (وبعض الفلسطينيّين) إنّه «شي بيجنّن» ولوحات محمد شمس الدين أدهشتنا حقّاً. هذا هو الذي يتطلّع إلى نصب تذكاري في «بوّابة فاطمة» يُثير جُنون الإسرائيليّين أكثر من رجمهم بالحجارة. فاصل بين «مملكة الشر» وبين «بلاد الخير».
أخذنا سلفادور دالي إلى فنون ما فوق الواقعية، وهذا اللبناني يُريد أن يردّ الفنّ إلى جذره الأسطوري - الخرافي، عَبر بدايات قد ندعوها «ما فوق الأسطوريّة».
إذا نظرت إلى مائيّاته، كأنّك تنظر من خلف المجهر إلى شفيفة (سلايد) فسوف ترى الشياطين والعفاريت كأنّها جراثيم عنقوديّة، أو كائنات دنيا من الديدان.. والقوارض.
.. وفي نظرة أخرى، قد يتراءى لك أن اللوحة ليست سوى فضّ بكارة «حجاب» كالذي كانوا يعلّقونه في رقاب الأطفال «الممسوسين» ليساعدهم «الجني الأبيض» على «الجني الأسود».
المسألة، أنه عندما يفضّ بكارة حجاب ويجعله لوحة مائيّة، يسخر من المعتقدات والعقائد، ويقرأ طالع إسرائيل في الأفلاك كما يسيّرها على هوى شطحاته.
بوّابة فاطمة في جنوب لبنان، وفي وسط البرتغال هناك «فاطمة» أخرى يتبرّكون بها، وحملوا من البرتغال إلى البرازيل تميمة تسمى «يد فاطمة» تتوسّطها عين واسعة بحدقة سوداء كبيرة. نسميها «اللبعة» ويسمّونها «يد فاطمة».
في الأمر، بين البوّابة واليد، شيء من السحر، كما يرى محمد شمس الدين في لوحاته ومشروع النصب التذكاري.
.. أو أنّه عاش انقلاب السحر على الساحر، ويحاول أن يرسمه عَبر مشروع انقلاب فنّي.
هذا هو اللبناني المجنون، في حياته العجيبة، مرّ في رام اللّه، فأثار دهشة البعض، وحيرة البعض.. وابتسامات بلهاء للبعض الثالث.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق